المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور - الصَّرِيْفِيْنِيُّ، أَبُو إِسْحَاقَ - الصفحة ٣٩٤
الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ
١١٩٠ - عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو مَنْصُورٍ الأُسْتَاذُ الْكَامِلُ ذُو الْفُنُونِ، الْفَقِيهُ الأُصُولِيُّ، الأَدِيبُ الشَّاعِرُ النَّحْوِيُّ الْمَاهِرُ فِي عِلْمِ الْحِسَابِ الْعَارِفُ بِالْعَرُوضِ، وَرَدَ نَيْسَابُورَ مَعَ أَبِيهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيِّ التَّاجِرِ، وَكَانَ ذَا مَالٍ وَثَرْوَةٍ وَمُرُوءَةٍ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ، وَهَذَا ابْنُهُ أَنْفَقَ مَالَهُ عَلَى الْعِلْمِ حَتَّى افْتَقَرَ وَلَمْ يَكْتَسِبْ بِعِلْمِهِ مَالا، وَكَانَ سَخِيَّ النَّفْسِ طَيِّبَ الْقَلْبِ حَسَنَ الأَخْلاقِ، صَنَّفَ فِي الْعُلُومِ وَأَرْبَى عَلَى أَقْرَانِهِ فِي الْفُنُونِ، وَدَرَسَ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ نَوْعًا مِنَ الْفُنُونِ، وَكَانَ قَدْ دَرَسَ عَلَى الإِمَامِ أَبِي إِسْحَاقَ الإسفرايِنِيِّ، وَأُقْعِدَ بَعْدَهُ لِلإِمْلاءِ فِي مَشْيَخَةِ عَقِيلٍ مَكَانَهُ، فَأَمْلَى سِنِينَ وَاخْتَلَفَ إِلَيْهِ الأَئِمَّةُ فَقَرَؤُوا عَلَيْهِ مِثْلَ نَاصِرٍ الْمَهْدِيِّ وَزَيْنِ الإِسْلامِ وَغَيْرِهِمْ وَتَلْمَذُوا لَهُ وَاسْتَفَادُوا مِنْهُ، وَكَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ كَثِيرَ الشُّيُوخِ، خَرَجَ مِنْ نَيْسَابُورَ فِي أَيَّامِ التُّرْكُمَانِيَّةِ وَقْتَهُم إِلَى أَسْفَرَايِنَ فَمَاتَ بِهَا سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، وَدُفِنَ بِجَنْبِ أَبِي....
١١٩١ - عَبْدُ السَّلامِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْصَمِ الأُسْتَاذُ الإِمَامُ الْبَارِعُ أَبُو بَكْرٍ، مِنْ كِبَارِ الأَئِمَّةِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، نَسِيبٌ مِنْ بَيْتِ الإِمَامَةِ جَلِيلُ الْقَدْرِ بَالِغٌ فِي الْفَضْلِ مِنْ مَشَاهِيرِ أَصْحَابِهِمْ أَخَذَ الطَّرِيقَةَ وَالْعُلُومَ عَنْ أَبِيهِ، وَتَخَرَّجَ فِي الْقَوْلِ وَخَلَفُه فِي التَّدْرِيسِ وَالتَّصْنِيفِ وَالإِمَامَةِ، خَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَحَجَّ وَشَاهَدَ الْمَشَاهِدَ، وَلَقِيَ الأَئِمَّةَ وَسَمِعَ وَنَاظَرَ بِالرَّيِّ، صَاحَبَ الْمُفْتِي الْقَاضِي عَبْد الْجَبَّارِ الْهَمَذَانِيَّ، وَكَانَ مَرْضِيًا مُبَجَّلا بَيْنَهُمْ، مَرْضِيَّ الصَّلاةِ، مَقْبُولَ الْمُحَاوَرَةِ، وَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ التَّمَيُّزِ لأَبِي نَصْرٍ الْعُتْبِيِّ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الْكِبَارِ وَالأَئِمَّةِ عَلَى أَمِيرِ -[٣٩٥]- الْمُؤْمِنِينَ الْقَادِرِ بِاللَّهِ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، وَكَانَ الْمَجْلِسُ غَاصًّا بِالْمَشَايِخِ بِبَغْدَادَ وَرُؤَسَائِهَا وَأَعْيَانِهَا وَالْكِبَارِ مِنْ غُرَبَاءِ ... وَرُؤَسَائِهِمْ فَأُشِيرَ إِلَيْهِ بِأَنْ يَذْكُرَ فَضْلا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْعِزَّةِ الْقَاهِرَةِ، وَالْحُجَّةِ الْبَاهِرَةِ، وَالنِّعَمِ الْمُتَظَاهِرَةِ، الَّذِي عَمَّ إِحْسَانُهُ، وَدَامُ سُلْطَانُهُ، وَلَطُفَ شَأْنُهُ، فَلا رَادَّ لِقَضَائِهِ، وَلا مَانِعَ لِعَطَائِهِ، وَلا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ابْتَعَثَ مُحَمَّدًا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ خَيْرِ أَرُومَةِ الْعَرَبِ مَوْلِدًا وَأَفْضَل خبرا سيمها مَحْتَدًا، وَأَطْوَلِهَا نِجَادًا، وَأَرْسَخِهَا فِي الْمَكْرُمَاتِ أَوْتَادًا، فَأَيَّدَهُ بِأَحْسَنِ التَّأْيِيدِ، وَأَكَّدَ أَمْرَهُ بِأَفْضَلِ التَّأْكِيدِ، حَتَّى اسْتَقَلَّ بِهِ الدِّينُ نَاهِضًا وَانْخَذَلَ الإِشْرَاكُ دَاحِضًا، وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَالْمُشْرِكُونَ كَارِهُونَ، فَعَلَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَدَدَ الرَّمْلِ وَالْحَصَى وَمَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ شَمْسُ الضُّحَى، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ، ثُمَّ قَيَّضَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ لِتَمْهِيدِ الدِّينِ وَتَوْهِينِ كَيْدِ الْمُلْحِدِينَ، فَبَسَطُوا لِلإِسْلامِ بِسَاطَهُ وَنَهَجُوا لأَهْلِ الأَفَاقِ صِرَاطَهُ إِلَى أَنْ تَأَدَّى الأَمْرُ إِلَى ذَوِيهِ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ وَبَنِي صِنْوِ أَبِيهِ فَأَقَامُوا الإِسْلامَ عَنْ أَوْدِهِ، وَأُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى مُسْتَنَدِهِ مُعْتَصِمِينَ بِنَصْرِ اللَّهِ، صَادِعِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ، مُعَظِّمِينَ حُرَمَاتِ اللَّهِ هَلُمَّ جَرًّا إِلَى أَنْ تَأَكَّدَتْ بَيْعَةُ الْخِلافَةِ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينِ الْقَادِرِ بِأَمْرِ اللَّهِ فَبَهَرَ نُورُهُ الْعَالَمِينَ، وَشَفَى ذِكْرُهُ صُدُورَ الْمُخْلِصِينَ بَعْدَ النَّوَاءِ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ ذَوِي الْعِنَادِ وَأَنْزُو عَنْهُ مَنْ قَصَدَ الْفَسَادَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَبَى إِلا نُصْرَةَ الْحَقِّ وَإِذَالَتَهُ وَقَمْعَ الْبَاطِلِ وَإِزَالَتَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا ارْتَضَاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَرَ بِنَسْخِهَا لِيُخَلَّدَ فِي الْخَزَانَةِ وَأَمَرَ بِانْصِرَافِهِ إِلَى خُرَاسَانَ مُكْرَمًا، وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ تَلَقَّاهُ الأَئِمَّةُ وَارْتَضَوْا كَلامَهُ ثُمَّ غَابَ عَنِ الْبَلَدِ مَرَّةً فِي أَيَّامِ الْفَتْرَةِ، وَعَادَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ.... وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ.