تاريخ الاسلام - ت تدمري - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٤٣٩
قَطَعَ بِهِ عُذْرَكَ، فَمَهْمَا ادَّعَيْتَ مِنْ حُجَّةٍ، أَوْ رَكِبْتَ مِنْ شُبْهَةٍ [١] ، لَمْ يَصِحَّ لَكَ بُرْهَانٌ مِنَ اللَّهِ، فِيهَا حَلَّ بِكَ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ بِقَدْرِ مَا تَجَاهَلْتَهُ مِنَ الْعِلْمِ، وَأَقْدَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ شُبَهِ الْبَاطِلِ، وَاعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصْمُ مَنْ خَالَفَهُ، وَأَثْبَتُ النَّاسِ قَدَمًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آخِذُهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَمِثْلُكَ لا يُكَابِرُ بِتَجْرِيدِ الْمَعْصِيَةِ، لَكِنْ بِمِثْلِ الإِسَاءَةِ إِحْسَانًا، وَيَشْهَدُ لَهُ عَلَيْهَا خَوَنَةُ الْعُلَمَاءِ، فَهَذِهِ الْخَبَالَةُ تَصَيَّدَتِ الدُّنْيَا نُظَرَاءَكَ، فَأَحْسِنِ الْجَهْلَ، فَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ وَعَظَكَ الأَدَاءَ.
قِيلَ: قَبَّلَ رَجُلٌ يَدَ الْمَهْدِيِّ وَقَالَ، يَدُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَقُّ بِالتَّقْبِيلِ لِعُلُوِّهَا بالمكارم، وطهارتها من المآثم، وإنّك ليوسفيّ الْعَفْوِ، إِسْمَاعِيلِيُّ الصِّدْقِ، شُعَيْبِيُّ الرِّفْقِ، فَمَنْ أَرَادَكَ بِسُوءٍ جَعَلَهُ اللَّهُ طَرِيدَ خَوْفِكَ، حَصِيدَ سَيْفِكَ.
وأثنى عليه بالشجاعة فقال: وما لي لا أَكُونُ شُجَاعًا وَمَا خِفْتُ أَحَدًا إِلا اللَّهَ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَنَّ الْمَهْدِيَّ كَتَبَ إِلَى الأَمْصَارِ يَزْجُرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأُمَرَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا.
وَعَنْ يُوسُفَ قَالَ: لَمَّا وَلِيَ الْمَهْدِيُّ رَفَعَ أَهْلُ الْبِدَعِ رُءُوسَهُمْ، وَأَخَذُوا فِي الْجَدَلِ، فَأَمَرَ أَنْ يُمْنَعَ النَّاسُ مِنَ الْكَلامِ، وَأَنْ لا يُخَاضَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، فَانْقَمَعُوا.
وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ: سَمِعْتُ سَلْمًا الْحَاجِبَ يَقُولُ: هَاجَتْ رِيحٌ سَوْدَاءُ، فَخِفْنَا أَنْ تَكُونَ السَّاعَةَ، وَطَلَبْتُ الْمَهْدِيَّ فِي الإِيوَانِ فَلَمْ أَجِدْهُ، ثُمَّ سَمِعْتُ حَرَكَةً فِي بَيْتٍ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ عَلَى التُّرَابِ يَقُولُ: اللَّهمّ لا تُشَمِّتْ بِنَا أَعْدَاءَنَا مِنَ الأُمَمِ، وَلا تَفْجَعْ بِنَا نَبِيَّنَا، اللَّهمّ وَإِنْ كُنْتَ أَخَذْتَ الْعَامَّةَ بِذَنْبِي فَهِذِهِ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، فما أتمّ كلامه حتى انجلت [٢] .
[١] في الأصل: الأشباه.
[٢] تاريخ الطبري ٨/ ١٧٥، تاريخ بغداد ٥/ ٤٠٠، الكامل في التاريخ ٦/ ٨٤.