سر الوجود - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢ - حياة جوفاء وأليمة
المسؤولية، أمّا الآن فالجميع من قبيل الأب والأم والأخ والكاسب والبقال وصاحب الحمام كان يتوقع من «الدكتور» والحال لم أكن أملك رغيف الخبز! كانت البطالة بمثابة الإرضة التي تنهش بدني وتنخر عظامي، فقد كنت مضطراً للاستقراض الآخرين حتى من أجل كي ملابسي وصبغ حذائي ليبدو لامعاً كوجهي الذي كنت أحرص على حفظه، كنت لا أنفك عن مراجعة الدوائر والمؤسسات، فكان هذا يجيبني لقد اكتمل الكادر ولا نحتاج إلى أحد، وذلك يقول ليتك أتيت قبل يومين فقد كنّا بحاجة ماسة إليك، وثالث يقول اشيع أنّ الوزارة الفلانية تروم استحداث دائرة فاذهب وسجل إسمك لعل القرعة تقع عليك فتكون من ضمن العاملين فيها.
و هكذا كنت أقضي أصعب الأيّام، لم أذكر فترة عانيت فيها كتلك الفترة العصيبة، فكنت أهمس لنفسي: هل يوجد من هو أشقى منّي في المجتمع؟ أين ينبغي لشخص مرموق مثلي أن يلوذ؟ كأن بيوت المدينة أقبية للقبور، وهذه السيارات الصاخبة توابيت وهؤلاء الأفراد الذين يتسكعون في الطرقات والشوارع أجهزة آلية منحت أرواح الشياطين وقد سئمت هذه القبور، فهي تفتقر لأدنى رحمة وعاطفة كأنّ غباراً غليظاً ملبداً بالحزن والاسى وقد نزل من السماء وغطى كل شيء، لقد أصبح عمري ثلاثين سنة ولامن عمل ولا بيت ولازوجة ولا طفل ولاحياة طبيعية، لقد ذهبت تلك الجهود دون النتيجة ومازال المستقبل مرعباً غامضا! بل إنّ الخوف والهلع الذي يسيطر علي من جراء المستقبل ليفوق أضعاف ماكنت أعانيه بالماضي.