سر الوجود - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣١ - نعمة النسيان
نعم اللَّه الكبرى، طبعاً لا نقصد نسيان الشدائد والمصائب وما إلى ذلك، والمراد النسيان التدريجي للقدر الأكبر من خاطرات الماضي لفترة الطفولة أو الفترات التي تعقبها.
ففي الحقيقة يقوم إرشيف الحافظة بعمل غاية في الأهميّة بهذا المجال، فرفوف الحافظة وإن كانت كثيرة جدّاً، إلّاأنّها محدودة بالتالي، فإذا امتلأت يوماً جميعها، وأرادت أيّة حادثة جديدة أن تشق طريقها إلى هذه الرفوف قيل لها: لامجال لك ...
وهكذا سيعجز الإنسان عن حفظ حتى كلمة واحدة أو اسم جديد وياله من مصير مؤلم؟
أمّا هذا الجهاز فإنّه يقوم بصورة تلقائية حين ورود أيّة خاطرات ومسائل جديدة بطرح عدد من الملفات السابقة المهملة التي لا طائل من ورائها فيمهد الرفوف لاستقبال الموضوعات الجديدة والطريف في الأمر أنّه على درجة من الذكاء بحيث لن يشمل الطرح المذكور أيّة مسائل وملفات لها دور في حياة الإنسان، ويقتصر ذلك على الأمور التي لا تستحق تلك الأهميّة وينبغي نسيانها.
فقلنا: يا له من جهاز عجيب ومبرمج لم نكن لحد الآن نعرف دوره، فودعناه وخرجنا من تلك الغرفة ذات الأسرار، والحال لم نطالع لحدّ الآن سوى غشاءً واحداً من أغشيته!!
ولا ندري كم سنذهل وندهش وكم سيطول الأمر لو فكرنا في دراسة كل جوانب «الدماغ» بالكيفية السابقة، ثم نخرج من هذه الغرفة ونتجول في سائر غرف ودور وأحياء ومدن وبلدان وجودنا؟!