سر الوجود - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٦ - سرّ آخر
ومن هنا كان ينبغي ألا يكون عالمنا المعاصر سوى كتلة من الطاقة، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإنّ طاقات العالم إنّما تتجه دائماً نحو الرتابة والتقسيم المتوازن والمتساوي، يعني بالضبط كقطعة الحديد الذائبة التي تفقد حرارتها بالتدريج في الفضاء الطليق حتى تصبح حرارتها واحدة مع حرارة الاجسام من أطرافها، وهذا ما عليه حال طاقات الدنيا.
طبعاً قطعة الحديد المذابة مادامت لم تبلغ هذه الحالة فهي مصدر بعث للحرارة (الأشعة تحت الحمراء)، إلّاأنّه ما أن تتساوى درجة حرارتها مع الأطراف حتى تخفت سائر الأمواج والأشعة المذكورة، أضف إلى ذلك حين يكون الحديد مذاباً فإنّ الهواء الملامس له يكون دائم الحركة، أي يصبح الهواء حاراً ويرتفع إلى الأعلى فيحل محله الهواء البارد، وهكذا يكون هنالك نسيم معتدل دائم في تلك المنطقة، أمّا حين تخفت الحرارة (أو الأصح: تتساوى درجة حرارة الحديد مع درجة حرارة الأطراف) فإنّ ذلك النسيم يسكن أيضاً.
مثال آخر: حركة الأنهار و دوّي الشلّالات وحركة أمواج البحار وآلاف الظواهر الجميلة المرتبطة بذلك في كافة أجزاء الكرة الأرضية، كلها وليدة اختلاف سطوحها، ولو تساوت المياه يوماً في سطح واحد من الكرة الأرضية، أي لو توزعت بصورة رتيبة في الكرة الأرضية لإنقطعت آنذاك أصوات الشلّالات وخرير المياه ولسادت جميع الأنهار حالة من الصمت الرهيب.