موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام - القرشي، الشيخ باقر شريف - الصفحة ١٢٥
أمّا بعد ، فإنّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك ، وليكن أسفك على ما فاتك منها ، وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحا ، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا ، وليكن همّك فيما بعد الموت ، والسّلام.
ولمّا انتهت هذه الرسالة الحافلة بالوعظ والإرشاد علّق عليها ابن عباس قائلا : ما اتّعظت بكلام قطّ اتعاظي بكلام أمير المؤمنين ٧ [١].
وعلى أي حال فإنّ الذي أراه بمزيد من التأمّل أنّ اتّهام ابن عباس بالخيانة بعيد كلّ البعد عن سيرة هذا العملاق الذي تربّى في مدرسة الإمام ٧ ، وأخلص للإمام كأعظم ما يكون الإخلاص.
فقد تولّى بصلابة مقاومة أعدائه ، والردّ عليهم بمنطقه الفيّاض وحججه الدامغة في حياة الإمام وبعد وفاته ، وهو أوّل من دعا له على المنابر [٢] ، وقد حزن عليه كأشدّ ما يكون الحزن ، وبكاه أمرّ البكاء حتى فقد بصره [٣] ، وكان يتوسّل إلى الله تعالى به ، ويجعله واسطة في قضاء مهمّاته ، فكيف ينحرف عنه ، ويخون بيت المال!
وبالاضافة إلى ذلك فإنّ الإمام كان يكبر ابن عباس ويبجّله وقال فيه :
« لله درّ ابن عباس ، إن كان لينظر إلى الغيب من ستر رقيق » [٤].
ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الشبهة تصدّى إلى إبطالها عمرو بن عبيد في
[١] تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٩٤ ، أدب الدنيا والدين ـ الماوردي : ٦٤.
[٢] مآثر الأناقة ٢ : ٢٣١.
[٣] الدرجات الرفيعة في ترجمة ابن عباس : ١١٨.
[٤] العقد الفريد ٢ : ٣٦٣.