سلامة القرآن من التحريف - الكعبي، علي موسى - الصفحة ٦٦ - الطائفة الأُولىٰ ما دلّ علىٰ التحريف بعمنىٰ النقصان  

وهنّ ممّا يقرأ من القرآن » [١].

لقد أوّل بعض المحقّقين خبر عائشة هذا بأنّه ليس الغرض منه أنّ ذلك كان آيةً من كتاب الله ، بل كان حكماً من الأحكام الشرعية التي أوحىٰ الله بها إلىٰ رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غير القرآن ، وأمر القرآن باتباعها ، فمعنىٰ قولها : « كان فيما أُنزل من القرآن... » كان من بين الأحكام التي أنزلها الله علىٰ رسوله وأمرنا باتباعها في القرآن أن عشر رضعات يحرمن ، ثمّ نسخ هذا الحكم بخمس رضعات معلومات يحرمن ، وتوفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهذا الحكم باقٍ لم ينسخ ، فأمّا كونه منزلاً موحىٰ به فذلك لأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ينطق عن الهوىٰ ، وأمّا كوننا مأمورين باتّباع ما جاء به الرسول من الأحكام فلأن الله تعالىٰ قال : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) ( الحشر٥٩ : ٧ ). وحمله البعض علىٰ أنّه ممّا نسخت تلاوته وحكمه فأبطلوه ، وهذا الحمل باطلٌ علىٰ ما سيأتي بيانه. لكن بعض الشافعية والحنابلة حملوه علىٰ نسخ التلاوة ، وذلك لا يصحّ لأنّ الظاهر من الحديث أنّ النسخ كان بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو أمرٌ باطلٌ بالاجماع ، وقد ترك العمل بهذا الحديث مالك بن أنس وهو راوي الحديث ، وأحمد بن حنبل وأبو ثور وغيرهم ، وقال الطحاوي والسرخسي وغيرهما ببطلانه وشذوذه وعدم صحته ، ومن المتأخرين الأُستاذ السايس وتلميذه الأُستاذ العريض وعبد الرحمن الجزيري وابن الخطيب وغيرهم [٣].


[١] صحيح مسلم ٢ : ١٠٧٥ / ١٤٥٢ ، سنن الترمذي ٣ : ٤٥٦ ، المصنف للصنعاني ٧ : ٤٦٧ و ٤٧٠.

[٢] الفقه علىٰ المذاهب الأربعة ٤ : ٢٥٩.

[٣] مشكل الآثار ٣ : ٦ ـ ٨ ، الناسخ والمنسوخ : ١٠ ـ ١١ ، أُصول السرخسي ٢ : ٧٨ ، فتح المنان : ٢٢٣ ـ ٢٣٠ ، التمهيد في علوم القرآن ٢ : ٢٨٢ ، الفقه علىٰ المذاهب الاربعة ٤ : ٢٥٨ ـ ٢٦٠.