الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧١ - ٧- كلام للمحقّق الاصفهاني
إلّا أنّ المدح و الذم اللذين يترتب عليهما حفظ النظام عند العقلاء ما يعم الثواب، و العقاب، أعني: المجازاة بالخير و المجازاة بالشر- إلى أن قال:- اتضح من جميع ما ذكرنا انّ ما يستقل العقل بحسنه أو قبحه، و إن لم يمكن الحكم من الشارع على خلافه، لكنّه لا يعقل أن يحكم مولوياً على وفاقه أيضاً، بل يحكم بحسنه أو قبحه على حدّ سائر العقلاء.
ثمّ إنّه (قدس سره) عطف على العدل و الظلم، الصدق و الكذب، فحكم بأنّ الحكم المولوي بالإضافة إلى الصدق و الكذب بذاته- أي لو خلّيا و طبعهما أو بعنوان معلوم الحسن و القبح عند العقلاء كذلك، لأنّ الصدق و الكذب من حيث نفسهما عدل في القول، و جور فيه و قد عرفت حال العدل و الجور و كذا الصدق المعنون بعنوان إهلاك المؤمن، ظلم عليه، و الكذب المنجي له إحسان إليه فحالهما حال العدل و الظلم. ( [١])
يلاحظ عليه: أوّلًا: أنّه قد مرّ في الأمر الخامس من مقدّمات البحث انّ للملازمة تفسيرات ثلاثة، أعني: به كلّ ما حكم به العقل، حكم بمثله الشرع أو يحكم بعينه الشرع، أو هو عين حكم الشرع و قد مرّ الفرق بين الأقوال فلو صحّ ما ذكره فإنّما يتوجه على التفسيرين الأوّلين دون الثالث إذ عليه انّ هناك إدراكاً واحداً، و حكماً و حاكماً فارداً. و هذا أيضاً أحد الأقوال فتثبت الملازمة إجمالًا.
و ثانياً: أنّ للعقل في ما يرجع إليه من القضايا إدراكاً أوّلًا، و حكماً ثانياً و لا يغني الأوّل من الثاني، و قد ورثنا هذه النظرية من سيدنا الأُستاذ (قدس سره) حيث كان يقول: إنّ للعقل وراء الإدراك في مجال الأحكام العملية، حكماً. و على ضوء ذلك فالمدرَك و إن كان عاماً، لا يعرف لشموله حدّاً، فهو أدرك ما يدركه كل موجود حيّ مختار، من غير فرق بين الخالق و المخلوق، و لكن حكمه لا يعدو نفسه، إذ حكم الحاكم لا يتجاوز عن دائرة نفسه، بمعنى انّ الحكم حكمه، لا حكم
[١] نهاية الدراية: ٢/ ١٢٩- ١٣٠.