الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣ - سعة دائرة حكم العقل
بأحد الوصفين نفس القضية بما هي هي من غير خصوصية للمدرِك. فهو يدرك أنّ العدل حسن عند الجميع و من الجميع، و الظلم قبيح كذلك، و لا يختص حكمه بأحدهما بزمان دون زمان، و لا جيل دون جيل.
ثمّ إنّ المخالف في المقام بعض الأشاعرة كالرازي و غيره فإنّهم اعترفوا- خلافاً لأسلافهم و إمامهم الشيخ أبي الحسن الأشعري- بالتحسين و التقبيح العقليين لكنّهم فصَّلوا و قالوا: إنّ تحسين العقل و تقبيحه معتبر بالنسبة إلى العباد و أمّا بالنسبة إلى اللّه تعالى فهو باطل.
أمّا الأوّل: فقد استدل عليه بوجوه، أوضحها ما أفاده الرازي: انّ العقلاء قبل علمهم بالشرائع و النبوّات مطبقين على حسن مدح المحسن، و حسن ذم المسيء، فانّ من أحسن إلى محتاج فانّ ذلك المحتاج يجد من صريح عقله حسن مدحه و ذكره بالخير، و لو أساء رجل إليه فانّه يجد من صريح عقله حسن ذمِّه و هذا الحكم حاصل سواء كان ذلك الإنسان مؤمناً يُصدِّق بالأنبياء أو لم يكن كذلك فعلمنا أنّ الحسن و القبح مقرر في عقولهم.
و أمّا إثباتهما في حقّ اللّه تعالى فمحال و استدل بوجوه نذكر بعضها:
الأوّل: إنّ الذي عقلناه من معنى الحسن ما يكون نفعاً، أو مؤدّياً إليه و الذي عقلناه من معنى القبح ما يكون ضرراً أو مؤدياً إليه، و الرغبة في المنفعة، و الرهبة عن المضرة، إنّما يعقل حصولهما في حقّ من يصحّ عليه النفع و الضرر، و لما كان ذلك في حقّ اللّه محالًا، كان القول بثبوت الحسن و القبح في حقّ اللّه محالًا. ( [١])
يلاحظ عليه: أنّ الدليل مبنيّ على كون الملاك في التحسين و التقبيح هو كون الفعل نافعاً أو مؤدِّياً إليه أو ضرراً أو مؤدِّياً إليه و اللّه سبحانه أرفع من هذا الملاك. لكنّك عرفت أنّ تفسير التحسين و التقبيح العقليين بهذا المعنى ساقط جداً، غير
[١] الرازي: المطالب العالية: ٣/ ٢٩٠.