الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٠ - ١- كلام الزركشي و هو من النافين
و انّه لا ملازمة بينهما. و المعتزلة لا ينكرون انّ اللّه تعالى هو الشارع للأحكام، و إنّما يقولون: إنّ العقل يدرك انّ اللّه تعالى شرّع أحكام الأفعال بحسب ما يظهر من مصالحها و مفاسدها فهو طريق عندهم إلى العلم بالحكم الشرعي، و الحكم الشرعي تابع لهما لا عينهما، فما كان حسناً، جوّزه الشارع و ما كان قبيحاً منعه فصار عند المعتزلة حكمان، أحدهما عقلي و الآخر شرعي تابع له.
ثمّ نقل قولًا آخر و أسماه قولًا متوسطاً و هو انّه قبحها ثابت بالعقل، و العقاب يتوقف على الشرع و هو الذي ذكره أسعد بن علي الزنجاني و أبو الخطاب من الحنابلة و ذكره الحنفية و نقلوه عن أبي حنيفة نصّاً و هو المنصور- ثمّ قال:- إنّ هاهنا أمرين: الأوّل: إدراك العقل حسن الأشياء و قبحها، الثاني: انّ ذلك كاف في الثواب و العقاب و إن لم يرد في الشرع، و لا تلازم بين الأمرين، بدليل (ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ) أي بقبيح فعلهم (وَ أَهْلُها غافِلُونَ) (الأنعام/ ١٣١) و مثله: (وَ لَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي من القبائح (فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ...) (القصص/ ٤٧). ( [١])
يلاحظ عليه: أوّلًا إنّ البحث مركز على ما لو استقل العقل بحسن الأفعال أو قبحها فهو يلازم ذلك- عند العقل- حكمه بالحسن و القبح أيضاً أولا، و عليه فما نقله عن المعتزلة من أنّ العلم بالمصالح و المفاسد طريق إلى الحكم الشرعي، كأنّه خارج عن محيط النزاع.
و بعبارة أُخرى ليس النزاع فيما إذا وقف العقل على مصالح الأحكام و مفاسدها و ملاكاتها و انّه هل يلازم ذلك- عند العقل- حكم الشارع أيضاً على وفقها أو لا؟ بل النزاع فيما إذا استقل بحسن فعل أو قبحه، و انّه هل يلازم حكم الشارع بهما أيضاً أو لا، و بين الموضوعين بون بعيد، و القول بالملازمة في الجهة الثانية لا يلازم القول في الأُولى لما تقرر في محلّه من انّه لا سبيل للعقل بما هو عقل
[١] تشنيف المسامع بجمع الجوامع: ١/ ١٣٣- ١٣٩ كما في التعليق على الوافية: ١٧٥- ١٧٧.