الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٠ - الدليل الأوّل اللّه مالك كل شيء يفعل في ملكه ما يشاء
ممكن- كما عرفت- من غير فرق بين الحسن و القبيح، فعموم قدرته لكل ممكن ممّا لا شبهة فيه، و لكن حكم العقل بأنّ الفعل الفلاني قبيح لا يصدر عن الحكيم، ليس تحديداً لملكه و قدرته. و هذا هو المهم في حلّ عقدة الأشاعرة الذين يزعمون أنّ قضاء العقل و حكمه في أفعاله سبحانه نوع تدخّل في شئون ربّ العالمين، و لكن الواقع ليس ذلك.
توضيحه: أنّ العقل بفضل التجربة، أو بفضل البراهين العقلية، يكشف عن القوانين السائدة على الطبيعة، كما يكشف عن القوانين الرياضية، فلو قال العقل: إنّ كل زوج ينقسم إلى متساويين، فهل يحتمل أنّ العقل بذلك فرض حكمه على الطبيعة، أو يقال: إنّ الطبيعة كانت تحمل ذلك القانون و العقل كشفه و بيّنه؟ فإذا كان هذا هو الفرق بين فرض الحكم و كشفه في عالم الطبيعة، فليكن هو الفارق بين إدراكه حسن الفعل و قبحه و أنّ أيّ فعل يصدر منه أو لا يصدر منه، و بين فرضه الحكم على اللّه سبحانه فرضاً يحدد سعة قدرته و إرادته و فعله. فليس العقل هنا حاكماً و فارضاً على اللّه سبحانه، بل هو- بالنظر إلى اللّه تعالى و صفاته التي منها الكمال و الغنى- يكشف عن أنّ الموصوف بمثل هذه الصفات و خاصة الحكمة، لا يصدر منه القبيح، و لا الإخلال بما هو حسن.
و بعبارة أُخرى: أنّ العقل يكشف عن أنّ المتصف بكل كمال، و الغنيّ عن كل شيء، يمتنع أن يصدر منه الفعل القبيح، لتحقّق الصارف عنه، و عدم الداعي إليه، و هذا الامتناع ليس امتناعاً ذاتياً حتى لا يقدر على الخلاف، و لا ينافي كونه تعالى قادراً عليه بالذات، و لا ينافي اختياره في فعل الحسن و ترك القبيح، فإنّ كلًا من الفعل و الترك بالاختيار، و هذا معنى ما ذهبت إليه العدلية من أنّه يمتنع عليه القبائح. و لا يهدف به إلى تحديد فعله من جانب العقل، بل اللّه بحكم أنّه حكيم، التزم و كتب على نفسه أن لا يخلّ بالحسن و لا يفعل القبيح. و ليس دور العقل هنا إلّا دور الكشف و التبيين بالنظر إلى صفاته و حكمته.