الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤ - سعة دائرة حكم العقل
مطروح للالهي في معرفة ما يجوز له سبحانه أو لا يجوز عليه، و لا للعالم الاخلاقي في تبيين المُثلِ العليا للإنسان في المجتمع الصغير، و لا للسائس الواعي في إدارة المجتمع الكبير إذ عندئذ تصير الأخلاق و السياسة، مفاهيم مادية، لا يعرّج إليه الإنسان الموضوعي. و العجب أنّه ينقل عن المعتزلة انّهم صرّحوا بأنّ كون الشيء حسناً أو قبيحاً، أمر مغاير لكونه منشأ للمنفعة و المضرة، و مع ذلك يصرّ في آخر كلامه بأنّه لا يعقل من الحسن و القبح إلّا المنفعة و المضرة.
الثاني: لو صحّ القبح العقلي و عمّ حكم العقل له سبحانه، يلزم أن لا يُنعم اللّه على أحد من عباده لأنّ النعمة إنّما تكون نعمة إذا كانت رافعة للحاجة، و إيجاد الحاجة في الإنسان ضرر و مضرة و هو قبيح، فإيصال النعمة إليه لا يمكن إلّا إذا كان مسبوقاً بإيصال ضرر يساويه، و من كان الأمر كذلك، صارت هذه النعمة الحاصلة دافعة لذلك الضرر السالف فتصير هذه الواقعة كمن يجرح إنساناً ثمّ يعالج جراحته، أو يسرق ديناراً من إنسان، ثمّ يعطيه ديناراً. ( [١])
يلاحظ عليه بوجهين:
١- أنّ حاجة الممكن ذاتي له غير مجعول، و إنّما المجعول وجوده و اللّه سبحانه أوجد الممكن المحتاج بالذات، لا أنّه أُعطى الحاجة له، و ليس الممكن إلّا مسلوب الضرورة من جانبي الوجود و العدم، و اندفاعه به إلى أحد الطرفين يحتاج إلى علّة، غير أنّ عدم العلّة كاف في كونه معدوماً، و ما هذا شأنه، تشكِّل الحاجة ذاته و حاقّه و حقيقته، فبطل قوله: «إنّ إيصال النعمة إليه لا يمكن إلّا إذا كان مسبوقاً بإيصال ضرر يساويه» و إذا كان المقصود من الضرر هو الحاجة فليس هي واصلة إليه من العلّة، بل هي واقعية الممكن و لبّه، وجد أم لم يوجد.
كما بطل قوله: «فتصير هذه الواقعة كمن يجرح إنساناً ثمّ يعالجه» فإن أراد
[١] المطالب العالية: ٣/ ٢٩١.