سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي - الصفحة ٢٥٦
أي بكمال (ربك) (الذي أنجز لك الوعد باكمال الدين وقمع المعتدين) المحسن اليك بجميع ذلك لان كله لكرامتك والا فهو عزيز حميد على كل حال تعجبا (لتيسير الله على هذا الفتح ما لم يخطر بالبال) وشكرا لما أنعم به سبحانه عليه من أنه أراه تمام ما أر سل لاجله ولان كل حسنة يعملها أتباعه له مثلها. (ولما أمره صلى الله عليه وسلم بتنزيهه عن كل نقص ووصفه بكل كمال مضافا الى الر ب، أمره بما يفهم منه العجز عن الوفاء بحقه لما له من العظمة المشار إليها بذكره مرتين بالاسم الاعظم الذي له من الدلالة على العظم والعلو الى محل الغيب الذي لا مطمع في دركه مما تتقطع الاعناق دونه فقال: (واستغفره) أي اطلب غفرانه انه كان غفارا، ايذانا بأنه لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره لتقتدي بك أمتك في المواظبة على الامان الثاني لهم، فان الامان الا ول الذي هو وجودك بين أظهرهم قد دنا رجوعه الى معدنه في الرفيق الاعلى والمحل الاقدس، وكذا فعل صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكة مطأطئا رأسه حتى انه ليكاد يمس واسطة الرحل تواضعا لله تعالى واعلاما لاصحابه ان ما وقع انما هو بحول الله تعالى، لا بكثرة من معه من الجمع وانما جعلهم سببا لطفا منه بهم، ولذلك نبه من ظن منهم أو هجس في خاطره ان للجمع مدخلا فيما وقع من الهزيمة في حنين أولا وما وقع بعد من النصرة بمن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم لا يبلغون ثلاثين نفسا. ولما أمر بذلك فأرشد السياق الى أن التقدير: وتب إليه، علله مؤكدا لاجل استبعاد من يستبعد مضمون ذلك من رجوع الناس في الردة ومن غيره بقوله (انه) أي المحسن اليك بخلافته لك في امتك، ويجوز ان يكون التأكير دلالة ما تقدم من ذكر الجلالة مرتين على غاية العظمة والفوت على الادراك بالاحتجاب بأردية الكبرياء والعزة والتجبر والقهر، مع أن المألوف أن من كان علي شئ من ذلك بحيث لا يقبل عذرا ولا يقبل نادما. (كان) أي لم يزل (توابا) أي رجاعا لمن ذهب به الشيطان من أهل رحمته. فهو الذي رجع بأنصارك عما كانوا عليه من الاجتماع على الكفر والاختلاف بالعداوات، فأيدك بدخولهم في الدين شيئا فشيئا حتى اسرع بهم بعد سورة الفتح الى أن دخلت مكة في عشرة آلاف، وهو أيضا يرجع بك الى الحال التي يزداد بها ظهور رفعتك في الرفيق الاعلي، ويرجع بم تخلخل من أمتك في دينه بردة أو معصية دون ذلك (الى ما كان عليه من الخير ويسير بهم أحسن سير). (فقد رجع آخر السورة الى أولها بأنه لولا تحقق وصفه بالتوبة لما وجد الناصر الذي وجد به الفتح، والتحم مقطعها أي التحام بمطلعها، وعلم أن كل جملة منها مسببة عما قبلها، فتوبة الله تعالى على عبيده نتيجة توبة العبد باستغفاره الذي هو طلب المغفرة بشر وطه، وذلك ثمرة اعتقاده الكمال في ربه تبارك وتعالى، وذلك ما دل عليه اعلاؤه لدينه وفسره للداخلين فيه