السيرة المحمّدية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٤ - ٣ إيمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و آبائه وكفلائه قبل الاِسلام
فالقول بأنّ تضحية أبي طالب في سبيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
بالنفس والنفيس كان بدافع علاقة القربى والعصبية القبلية، تصوّر باطل، إذ أنّذلك
كان بدافع اعتقاده الراسخ برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي اعتبره
مظهراً كاملاً للفضيلة والاِنسانية، وأنّ دينه أفضل برنامج للسعادة. ولما كان يحب
الحقيقة والكمال والحقّ، فقد كان من الطبيعي أن يدافع عن تلك الفضائل
وينصرها بكلّ جهوده وقواه.[١]
كما أنّ هناك مواقف محددة توَكد المعنى السابق:
فقد أصدر تهديداً بمحاربة رجال قريش بالسلاح، إذا أقدموا على أي سوء
نحو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد حافظ على حياته «صلى الله عليه وآله
وسلم» لفترة ٤٢ عاماً، ودافع عنه، وخاصةً في سنوات البعثة العشرة، فهو قد تولى
مهمة كفالته والدفاع عنه والمحافظة على حياته بصدق وإخلاص، بالنفس والمال،
وإيثاره على نفسه وأولاده والاِنفاق عليه من ماله، منذ صِغَره «صلى الله عليه وآله
وسلم» وحتى الخمسين من عمره. ولذا كان لفقده أكبرُ الاَثر على سير الدعوة
الاِسلامية.
وهو ما دفع ابن أبي الحديد المعتزلي أن ينشد بيتين يوضح تضحيته هو
وابنه علي (عليه السلام) :
و لـولا أبـو طـالب وابنــُه لما مثلُ الدّين شخصاً وقاما
فـذاك بمكـة آوى وحامـى وهذا بيثرب جسّ الحِمامـا[٢]
ويمكن التعرّف على إيمانه و إخلاصه عن طريق أشعاره وخدماته القيّمة في
[١] وقد أشار إلى كلّ ذلك في قصائده وأشعاره. ونقل ابن هشام في سيرته:١|٣٥٢ ، ١٥ بيتاً من قصيدته.
[٢] شرح نهج البلاغة:١٤|٨٤.