السيرة المحمّدية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨ - ١ الاَحوال في جزيرة العرب
ذلك التطور العظيم لهوَلاء العرب الجاهليّين في الجزيرة العربية، في حين لم
يستطع عربُ اليمن الذين امتلكوا الشيء الكثير من الثقافة والحضارة، وعاشوا
حياة حضارية متطورة، أن يصلوا إلى هذه النهضة الشاملة، أو تقيم مثل هذه
الحضارة العريضة، أو عرب الغساسنة الذين جاوروا بلاد الشام المتحضّرة،
والذين عاشوا تحت ظلّ حضارة الروم، أن يصلوا إلى تلك الدرجة من الثقافة، أو
عرب الحيرة الذين عاشوا تحت ظل إمبراطورية الفرس أن ينالوا مثل ذلك الرقيّ
والتقدّم، في الوقت الذي تمكّن فيه عرب الحجاز من تحقيق تلك النهضة
الجبارة، وورثوا الحضارة الاِسلامية العظمى، في حين لم يكن لهم عهدٌ بأيّ تاريخ
حضاريّ مشرق، بل كانوا يرزحون تحت أغلال الاَوهام والخرافات والاَساطير
والعادات السيّئة.
وخيرُمن يوضّح تلك الاَوضاع والاَحوال، هو الاِمام علي (عليه السلام) في
الخطبة الثانية من «نهج البلاغة»:
« والناسُ في فِتَن انجذم[١]فيها حبلُ الدين، وتزعزعت سواري[٢]اليقين،
واختلف النجرُ [٣] و تشتُّت الاَمرُ، وضاق المخرجُ،وعمي المصدرُ، فالهدى خامل،
والعمى شامل، عصي الرحمن ونُصر الشيطان، وخُذِلَ الاِيمانُ فانهارت دعائمهُ،
وتنكّرت معالمُه،ودرست [٤]سبلُه،وعفت شركه[٥] ... فهم فيها تائهون حائرون
جاهلون مفتونون في خير دارٍ وشرِّ جيرانٍ، نومُهم سُهود، وكُحلهم دموع، بأرض
عالمها مُلجَم وجاهلها مُكرَم».
[١] إنقطع.
[٢] الدعائم.
[٣] الاَصل.
[٤] ِنطمست.
[٥] الطرق.