كفاية الأصول - ط جماعة المدرسین - الآخوند الخراساني، الشيخ محمد کاظم - الصفحة ٢٣٧ - التنبيه السادس استصحاب الشرائع السابقة
اليقين بارتفاع أحكامها بتمامها ، ضرورة أنّ قضيّة نسخ الشريعة ليست ارتفاعها كذلك ، بل عدم بقائها بتمامها.
والعلم إجمالا بارتفاع بعضها [١] إنّما يمنع عن استصحاب ما شكّ في بقائه منها [٢] فيما إذا كان [٣] من أطراف ما علم ارتفاعه إجمالا ، لا فيما إذا لم يكن من
ـ الاصول ٣ : ٢٢٧. وحاصله : أنّ انهدام الركن الثاني ـ وهو الشكّ في البقاء ـ انّما يلزم فيما إذا كانت هذه الشريعة ناسخة لجميع الأحكام الثابتة في الشرائع السابقة ، إذ يقطع حينئذ بارتفاعها ولا يبقى شكّ في بقائها حتّى يستصحب. ولكنّه ممنوع ، إذ ليس مقتضى النسخ ارتفاع أحكام الشرائع السابقة بتمامها ، بل مقتضاه عدم بقاء أحكام الشرائع السابقة بتمامها ، فيصدق النسخ ولو لم ينسخ بعض أحكامها ، وحينئذ إذا شكّ في نسخ حكم من أحكامها يجري الاستصحاب.
وأورد عليه المحقّق الاصفهانيّ بما حاصله : أنّ حقيقة الحكم المجعول عبارة عمّا يوحى به بلسان جبرئيل ٧ على قلب النبيّ الموحى إليه ، بحيث يكون ذلك الإنشاء القائم الوارد على قلب النبيّ عين جعله من الله تعالى ، من دون سبق الجعل ، فإذا بقي هذا الحكم في شريعة اخرى كان النبيّ اللاحق تابعا لذلك النبيّ السابق في ذلك الحكم. وحيث أنّ نبيّنا ٦ أفضل الأنبياء ولا يكون تابعا لنبيّ من الأنبياء في حكم من الأحكام فلا محالة يكون المجعول في شريعته مماثلا لما في شريعة موسى ٧ ، فأمّته مأمورون بذلك الحكم من حيث أنّه أوحى به إلى نبيّهم ٦ ، لا من حيث أنّه أوحى به إلى موسى ٧ ، فيكون جميع أحكام هذه الشريعة أحكام حادثه ، بعضها مماثل لما في الشرائع السابقة وبعضها مضادّ أو مناقض له ، وحينئذ يصحّ دعوى أنّ هذه الشريعة ناسخة لجميع الأحكام الثابتة في الشرائع السابقة ، وأنّ الشكّ يؤول إلى حدوث حكم مماثل أو غير مماثل ، لا إلى بقاء ما في الشريعة السابقة وعدمه ، فلا شكّ في البقاء ، ولا مجال للاستصحاب. نهاية الدراية ٣ : ٢١٤ ـ ٢١٥ و ٢٥٧ ـ ٢٥٨.
[١] هذا إشارة إلى توهّم آخر لمن أنكر حجّيّة استصحاب عدم نسخ حكم من أحكام الشرائع السابقة. وحاصله : أنّه لو سلّم عدم اختلال أركان الاستصحاب فيما كان المتيقّن من أحكام الشريعة السابقة لا يجري الاستصحاب أيضا ، لأنّ المفروض أنّ نسخ الشريعة عبارة عن رفع جملة من أحكامها ، لا رفع تمامها ، وحيث أنّ تلك الجملة غير معلومة لنا تفصيلا فنعلم إجمالا بثبوت بعض أحكامها لنا ، والاستصحاب لا يجري في أطراف العلم الإجماليّ.
[٢] أي : من أحكام الشرائع السابقة.
[٣] الضمير المستتر في قوله : «كان» وقوله الآتي : «لم يكن» يرجع إلى ما شكّ في بقائه من تلك الأحكام.