شرح دعاء كميل - آية الله السيّد عبد الأعلى السبزواري - الصفحة ١٤٦ - في الاستدلال علىٰ توحيده تعالىٰ
كما أنَّ الخمر تذهب بالعقل وتأخذ الإنسان من نفسه ، كذلك العشق والمحبة ـ رزقنا الله تعالىٰ ـ تأخذ الإنسان من نفسه ، وتسكره سكراً ليس له صحو وإفاقة إلىٰ صباح القيامة.
وقد وصفها الله تعالىٰ في كتابه الكريم ، قال : ( إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّـهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ) [١]. وقال : ( وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا ) [٢].
وقال تعالىٰ : ( وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ) [٣] أي مزاج الرحيق المختوم ، وهو ما يمزج به ( من تسنيم ) : وهو عين في الجنة ، ينصبّ علىٰ أهلها من علوّ ، وهو أشرف شراب في الجنة. قال تعالىٰ : ( عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) [٤].
وفي مجمع البيان : « أي هي خالصة للمقرّبين ، يشربونها صرفاً ، ويمزج لسائر أهل الجنة » [٥].
اعلم أنّ مشرب العرب في شربهم مختلف ، فمنهم من يشرب صرفاً ، كما قال الشاعر :
| يا ساق لا تشعشع الراح بما | فهو يكفّ عاملاً عن عمل |
وقال ابن الفارض :
| عليك بها صرفاً وإن شئت مزجها | فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم [٦] |
ومنهم من يشرب مزجاً ، كما قال الشاعر :
| فقلت : اقتلوها عنكم بمزاجها | [ فأطيب ] [٧] بها مقتولة حين تقتل [٨] |
وقال أبو القاسم الحريري في مقاماته توريةً :
_____________________________
| [١] « الإنسان » الآية : ٥ ـ ٦. | [٢] « الإنسان » الآية : ١٧ ـ ١٨. |
| [٣] « المطففين » الآية : ٢٧. | [٤] « المطففين » الآية : ٢٨. |
| [٥] « مجمع البيان » ج ١٠ ، ص ٥٨١. | [٦] « ديوان ابن الفارض » ص ١٨٤. |
| [٧] من المصدر ، وفي المخطوط : « فحب ». | [٨] « ديوان الأخطل » ص ١٥٥. |