غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع - ابن زهرة - الصفحة ٣٥٧ - الفصل السادس في نكاح المتعة
حمل الألفاظ الواردة في القرآن على ما يقتضيه العرف الشرعي ، دون الوضع اللغوي ، على ما بيناه في أصول الفقه ، والثاني : أن الالتذاذ لا اعتبار به في وجوب المهر ، لأنا لو قدرنا ارتفاعه عمن وطئ زوجته ولم يلتذ ، لأن نفسه كرهتها ، أو لغير ذلك ، لوجب المهر بالاتفاق ، فيثبت أن المراد ما قلناه.
وأما إباحته تعالى بالآية نكاح الدوام ، فغير مناف لما ذكرناه ، من إباحة نكاح المتعة ، لأنه سبحانه عم الأمرين معا بقوله (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ) ، ثم نص سبحانه نكاح المتعة بقوله (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً).
ويؤيد ذلك ما روي عن أمير المؤمنين عليهالسلام وعبد الله بن عباس وابن مسعود ومجاهد [١] وعطاء [٢] من أنهم كانوا يقرأون : «(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) إلى أجل مسمى» [٣] وقوله تعالى (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) [٤] ، والمراد بذلك على ما اتفق عليه أصحابنا. ورووه عن آل الرسول عليه وعليهمالسلام الزيادة من الزوج في الأجر ، ومن الزوجة في الأجل.
وتعلق المخالف [٥] بقوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) [٦] ، وادعاؤهم أن المتمتع بها ليست زوجة ، لأنها لا ترث ولا تورث ولا تبين بالطلاق ، ولا يلحقها حكم الإيلاء والظهار ، ولا يصح بينها وبين زوجها
[١] أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي المخزومي ، روى عن علي عليهالسلام وسعد بن أبي وقاص وروى عنه عطاء و. ، مات سنة ١٠٠ وقيل ١٠٤ ه ـ ، طبقات الفقهاء : ٥٨ وتهذيب التهذيب : ١٠ ـ ٤٢.
[٢] عطاء بن أبي رياح القرشي مولاهم أبو محمد المكي ، روى عن ابن عباس وأسامة ، وروى عنه ابنه يعقوب وأبو إسحاق ، مات سنة ١١٤ ه. طبقات الفقهاء : ٥٧ وتهذيب التهذيب : ٧ ـ ١٩٩.
[٣] سنن البيهقي : ٧ ـ ٢٠٥ ولاحظ مجمع البيان : ٣ ـ ٣٢.
[٤] النساء : ٢٤.
[٥] هو مبتدأ ، خبره قوله : «ليس بشيء يعول».
[٦] المؤمنون : ٥ ـ ٧.