غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع - ابن زهرة - الصفحة ١٣٧ - نية الصوم الندب
فأما الصوم النفل فيجوز النية له إلى بعد الزوال [١] بدليل ما قدمناه من الإجماع المتكرر ، وأيضا قوله تعالى (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [٢] ، لأنه يتناول ما قبل الزوال وبعده ، وليس لأحد من المخالفين أن يقول : كيف تؤثر النية المتأخرة فيما مضى من النهار خاليا منها؟ لأن ما مضى يلحق في الحكم بما يأتي ، كما يقوله الأكثر منهم فيمن نوى [٣] التطوع قبل الزوال ، وليس لهم أن يقولوا : قبل الزوال مضي أقل العبادة وليس كذلك بعد الزوال ، لأن النية إذا أثرت فيما مضى خاليا منها حكما فلا فرق بين الأكثر والأقل.
وقد أجاز أبو حنيفة والشافعي وغيرهما أن يصير لصلاة المفرد حكم الجماعة بالنية المستأنفة ، ولم يفرقوا [٤] بين مضي الأكثر منها والأقل ، فما أنكروا من مثل ذلك ها هنا ، ولا يلزم جواز النية في آخر جزء من اليوم ، لأنها يجب أن تكون بحيث يصح وقوع الصوم بعدها ، وهذا لا يتأتى في آخر جزء.
ونية القربة تجزئ في صوم رمضان ، ولا يفتقر إلى نية التعيين بدليل الإجماع الماضي ذكره ، وأيضا قوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [٥] فأمر بالإمساك فيه ، ومن أمسك مع نية القربة ممتثل للمأمور به فيجب أن تجزئه ، وأيضا فنية التعيين يفتقر إليها في زمان الصوم الذي يصح أن يقع الصوم فيه على وجهين ، كالصوم الواجب في الذمة مثل صوم القضاء والنذر وغير متعين بيوم مخصوص وغير ذلك من أنواع الصوم الواجب ، وكصوم النفل.
فأما شهر رمضان فلا يصح أن يقع الصوم فيه إلا عن الشهر ، حتى أنه لو
[١] كذا في الأصل ولكن في «س» : إلى ما بعد الزوال.
[٢] البقرة : ١٨٤.
[٣] في «ج» و «س» : فيمن ينوي.
[٤] في «ج» : ولم يفرقا.
[٥] البقرة : ١٨٥.