غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع - ابن زهرة - الصفحة ١٩٦ - الفصل العشرون في المصدود والمحصور
بدليل الإجماع المشار إليه ، وأيضا قوله تعالى (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) [١] ، ولا شبهة في أنه تعالى كلف ذلك مع التمكن منه ، فإذا فقد التمكن يسقط تكليفه ، ويحتج على من قال : بأن ذبحه لا يجوز إلا بالحرم ، بأن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ذبح هديه بالحديبية حين صده المشركون عن مكة وهذا مما قد اتفقوا على روايته.
وإذا لم يكن لمن ذكرنا حاله هدي ولا قدر على شرائه ، لم يجز له التحلل ، ويبقى الهدي في ذمته ، ويبقى محرما إلى أن يذبحه من قابل ، أو يذبح عنه ، ولم ينتقل إلى الإطعام ولا إلى الصوم ، بدليل الإجماع الماضي ذكره وأيضا قوله تعالى : (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ). [٢] الآية ، والتقدير فإن أحصرتم وأردتم التحلل فما استيسر من الهدي ، ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ، فإذا بلغ فاحلقوا ، ولم يذكر لذلك بدلا ، ولو كان له بدل ، لذكره ، كما ذكر بدل نسك حلق الرأس من الأذى ، وبهذا نستدل على أن قوله : «فحلى حيث حبستني» لا يغني عن الهدي في التحلل ، وإنما ندب المكلف إلى هذا القول تعبدا.
ويجب على ما ذكرنا حاله القضاء إن كان حجا واجبا ، ولا قضاء عليه إن كان تطوعا ، والاستئجار على الحج عن الميت والمعضوب [٣] جائز بدليل الإجماع المشار إليه ، وأيضا فالأصل جواز الإجارة في جميع الأشياء فمن منع من ذلك في بعضها فعليه الدليل ، ويعارض المخالف بما رووه من قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم للذي سمعه يلبي عن شبرمة [٤] : حج عن نفسك ثم عن شبرمة [٥] وبخبر الخثعمية [٦] لأنه دل على
[١] و [٢] البقرة : ١٩٦.
[٣] رجل معضوب : زمن لا حراك به كأن الزمانة عضبته ومنعته عن الحركة. المصباح المنير.
[٤] قال ابن الأثير في أسد الغابة : ٢ ـ ٣٨٤ : شبرمة غير منسوب ، له صحبة توفي في حياة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم.
[٥] جامع الأصول : ٤ ـ ١٩٧ و ١٩٩ أسد الغابة : ٢ ـ ٣٨٤ ، وسنن ابن ماجة : ٢ ـ ٩٦٩ برقم ٢٩٠٣.
[٦] لاحظ سنن البيهقي : ٤ ـ ٢٥٦ كتاب الصوم وص ٣٢٨ كتاب الحج ، والتاج الجامع للأصول : ٢ ـ ١١٠ و ١١١ وتقدمت مصادر الخبر آنفا.