غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع - ابن زهرة - الصفحة ٢٧٣ - الاقرارات المبهمة
وابن حنبل [١] ويدل على صحته قوله تعالى (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) [٢] وقال حكاية عن إبليس (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [٣] ، فاستثنى من عباده «الغاوين» مرة ، و «المخلصين» أخرى ، ولا بد أن يكون أحد الفريقين أكثر من الآخر.
وإذا قال : علي كذا درهم ، بالرفع لزمه درهم ، لأن التقدير هو درهم ، أي الذي أقررت به درهم ، وإن قال : كذا درهم ، بالخفض ، لزمه مائة درهم ، لأن ذلك أقل عدد يخفض ما بعده ، ولا يلزم أن يكون إقرارا بدون الدرهم ، لأنه أقل ما يضاف إلى الدرهم ، لأن ذلك ليس بعدد صحيح ، وإنما هو كسور ، وإن قال : كذا درهما ، لزمه عشرون درهما ، لأنه أقل عدد ينتصب ما بعده.
وإن قال : كذا كذا درهما ، لزمه أحد عشر ، لأن ذلك أقل عددين ركبا وانتصب ما بعدهما ، وإن قال : كذا وكذا درهما ، كان إقرارا بأحد وعشرين ، لأن ذلك أقل عددين عطف أحدهما على الآخر وانتصب الدرهم بعدهما.
وإذا أقر بشيء وأضرب عنه واستدرك غيره ، فإن كان مشتملا على الأول ، بأن يكون من جنسه وزائدا عليه وغير متعين ، لزمه دون الأول ، كقوله : علي درهم لا بل درهمان ، وإن كان ناقصا عنه ، لزمه الأول دون الثاني ، كقوله : علي عشرة لا بل تسعة ، لأنه أقر بالعشرة ثم رجع عن بعضها فلم يصح رجوعه ، ويفارق ذلك ما إذا قال : له علي عشرة إلا درهما ، لأن عن التسعة عبارتين : أحدهما لفظ التسعة ،
[١] لاحظ المغني لابن قدامة : ٥ ـ ٣٠٢ كتاب الإقرار. وقال الشيخ في المبسوط : ٣ ـ ٨ : الاستثناء من الجمل جائز. ولا فرق بين أن يستثني الأقل ويبقى الأكثر وبين أن يستثني الأكثر ويبقى الأقل بلا خلاف إلا من ابن درستويه النحوي ، فإنه قال : لا يجوز استثناء الأكثر من الأقل ، وبه قال أحمد بن حنبل.
[٢] الحجر : ٤٢.
[٣] ص : ٨٢ و ٨٣.