خطرة الطيف - لسان الدين بن الخطيب - الصفحة ١١١ - الرسالة الثالثة كتاب معيار الاختبار في ذكر المعاهد والديار
قلت فغساسة [٤٩٠] ، قال فريسة وأكيلة ، وحشف وسوء كيلة ، إلا أنها مرسى مطروق ، بكل ما يروق ، ومرفأ جارية بحريّة ، ومحطّ جباية تجريّة.
ثم لما وصل إلى هذا الحد ، نظر إلى حاج السوق قد أفاض ، ومزاده أعمل فيه الانفاض ، وعلوّ الأصوات به قد صار إلى الانخفاض. فقال وجب اعتناء بالرحيل واهتمام ، وكل شيء إلى تمام. ومددت يدي إلى الوعاء فخرقته ، وإلى العين فأرّقته ، وقلت له لأحكّمنّك من كرام بني الأصفر ، في العدد الأوفر ، مائلة في اللباس المزعفر. فلمّا خضب كفّيه بحنّائها ، وحصلت النفس على استغنائها ، استدناني ، وشبّك بنانه ببناني ، وقال لا حبط عملك ، ولا خاب أملك ، ولا عدم المرعى الخصيب هملك ، فلنعم مغلي البضائع ، وحافظ الفضل الضائع ، ومقتني الفوائد ، ومعوّد العوائد. وستثبتّ مخيلته ، فإذا الشيخ وتلميذه ، وحماره ونبيذه ، وقد تنكّر بالخضاب المموّه ، والزيّ المنوه وعاث بخد الغلام الشعر المشوّه. فقلت ، هيه أبت المعارف أن تتنكر ، والصباح أن يجحد أو ينكر ، كيف الحال بعدي ، وما اعتذاراك عن إخلاف وعدي ، فقال :
| خذ من زمانك ما تيسّر | واترك بجهدك ما تعسّر | |
| ولرب مجمل حالة | ترضى به ما لم يفسّر | |
| والدهر ليس بدائم | لابد أن سيسوء إن سر | |
| واكتم حديثك جاهدا | شمت المحدث أو تحسّر |
والناس آنية الزجاج إذا عثرت به تكسر
| لا تعدم التقوى فمن | عدم التقي في الناس أعسر | |
| وإذا امرؤ خسر الإله | فليس خلق منه أخسر |
ثم ضرب جنب الحمار ، واختلط في الغمار ، وتركني أتقرّى الآثار ، وكل نظم فإلى انتثار.
[٤٩٠] غساسه : تقع عند مصب نهر ملويه Muluia بالبحر المتوسط ، وهناك كانت قبائل بطويةButhoia.
راجع (ابن خلدون : العبر ج ٦ ص ١٠١ ـ ١٠٢ ،.J.Leon : op.cit.p.٠٨١)