تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ٨١ - والتعريف بكشف أحوالهم ومناقبهم
النعم التي منّ الله تعالى بها ، وكان باب الخير والسعادة فيها شيخنا أبو عبد الله القصري [١] رحمة الله عليه ، وله موضوعات مفيدة منها : اختصار الكافي في «القراءات» لم يسبق إلى مثله ، صغير الحجم غزير العلم ، انتفع به الطلبة وحفظوه ، وله مقدمة في النحو ، وأخرى في الحديث ، وأخرى في نصح الشباب.
وكان أخصّ أولاد المجاورين به الشيخ الفقيه العالم المتقن المقري ، نائب الخطابة والإمامة بالحرم الشريف النبوي ، شمس الدين محمد بن الشيخ صالح بن إسماعيل الكناني الشافعي المدني [٢] ، جوّد على الشيخ [٣] القراءات السبع وأتقنها ، وورث من الشيخ ما كان يعلمه منها ، وانتفع به أهل المدينة وغيرهم من الواردين وحصلوا وانتفعوا.
وكان شمس الدين [٤] ملازما للشيخ أبي عبد الله ، حتى كأنه ولده وكان الشيخ أبو عبد الله يتمثل في شمس الدين وأخيه علي [٥] ، قوله تعالى : (فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) [الكهف : ٨٢].
وكان والدهما الشيخ صالح [٦] صالحا على اسمه ، وكان صانعا مبيضا ، متقنا ناصحا ، يشتغل بالتبييض في الحرم الشريف ، وذكر ولده شمس الدين أنه حجّ ثماني عشرة حجة ـ أعني والده ـ وأنه أعتق نحو ثلاثين مملوكا تقبل الله منه ، وسأل الله يوما أن يرزقه ولدا صالحا قارئا لكتاب الله ، ثم تزوّج فرزق هذين الولدين ، وأعطي فوق ما سأله في ولده شمس الدين ، وكان ولده عليّ رجلا صالحا يخدم مشهد سيدنا حمزة رضياللهعنه.
وكانت وفاة الشيخ أبي عبد الله القصري في القدس الشريف في سنة
[١] تقدمت ترجمته.
[٢] ترجمته في : «الدرر الكامنة» ٣ / ٤٥٧ (١٢٢٧) ، «التحفة اللطيفة» ٢ / ٤٨٤ (٣٨٠٦) ، نقلا عن ابن فرحون.
[٣] يعني الشيخ أبا عبد الله القصري.
[٤] يقصد المترجم له.
[٥] ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ٢٧٨ (٣٠٣٤).
[٦] ذكره في : «التحفة اللطيفة» ١ / ٤٤٩ (١٧٥٥) ، نقلا عن ابن فرحون.