تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ١٥٨ - والتعريف بكشف أحوالهم ومناقبهم
| قلّ ما يلقاك إلا | بسلام واعتناق | |
| فإذا ولّيت عنه | ثبت منه بالطلاق |
نسأل الله تعالى العافية ، وأن يذهب عنا التدابر والتحاسد والتباغض بمنّه وكرمه.
ومن أعظم حسناته ـ رحمة الله عليه ـ تربيته لأولاد الشيخ الصالح محمود العجمي الذي تقدم ذكره في ترجمة الشيخ أبي محمد البسكري ، وكان قد تزوج أختهم لأبيهم في حياة الشيخ محمود ، وكانت وفاته رحمة الله عليه سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. فلما توفيت والدتهم لم يبق لهم أحد يكفلهم وكانوا صغارا فكفلهم وضمهم إلى عياله ، وهم عبد الرحمن [١] وعبد الرحيم [٢] وعبد اللطيف [٣] فأقرأهم القرآن حتى حفظوا ، ثم شغلهم بمذهب أبي حنيفة ، وكان أبوهم شافعيّ المذهب ، وتولى شمس الدين ; تقرئتهم وتعليمهم العلم بنفسه.
وأخبرنا ـ ; ـ أنه جمع ما ورثوه من والدهم ، ووالدتهم من الأثاث فباعه ، فكان مبلغه ثمانمائة درهم ، فكان ينفقهم من بعضها ويتّجر لهم ببعضها ، ولم يزل ينميها لهم ويوفرها عليهم ، ويتورع في مالهم حتى بلغ مالهم عشرة آلاف درهم ، وكان إذا فضل شيء من غدائهم وعشائهم يأمر بجمعه وحفظه حتى يجتمع منه كسرا يابسة ، فيجعلها لهم غدا مثل البقسماط المثرود ، ويجمع فصي تمرهم الذي يأكلونه ، فإذا اجتمع باعه وصرف ثمنه في مصالحهم.
وبلغنا أنه كان إذا أهلّ الهلال يكتال نفقتهم ، فقيل له في ذلك فقال : أخاف أن يتعلق شيء في الصاع من حبّهم فيختلط بحبنا.
فانظر إلى هذا الورع ما أحسنه وإلى ديانته وصبره ومروءته ما أحسنها!! وكان ; عفيف النفس عن التشوف للصدقات الواردة للمجاورين ،
[١] ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ١٥٣ (٢٥٤٣).
[٢] ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ١٦٩ (٢٥٩٧).
[٣] ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ٢٠٥ (٢٧٠٥).