تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ١٢٢ - والتعريف بكشف أحوالهم ومناقبهم
أحد ، ولا حول القبر نبش ولا أثر ، وقد زال التراب الذي دفن به القبر حتى انكشف اللبن وليس للتراب أثر ، ولا عنه خبر وقد خلا من عند رأسه ثلاث لبنات لا غير ، ووقفت على القبر مع القاضي جمال الدين المطري [١] لما شاع في المدينة خبره ، وقيل : أصبح قبر ابن هيلان خاليا منه ليس فيه ، فأمر القاضي جمال الدين المطري أبا قميص حفار القبور بأن ينزل ويجس اللحد ، فهاب والناس حول القبر يأتون من المدينة أرسالا أرسالا ، ثم دخل أبو قميص بعد العزيمة عليه فنظر وفتش فلم يجد شيئا ، فأدخل عمودا كان بيده وجس به القبر ذاهبا وآيبا فلم يجد شيئا ألبتّة ، ونزل غيره وفعل كفعله فلم يجد الآخر شيئا!! وكان ذلك آية من آيات الله تعالى ، فلما كثر خروج الناس واشتهر أمره أمر يوسف الرومي الوزير يومئذ بدفنه فدفن القبر ، نسأل الله حسن الخاتمة.
وقال لي الشيخ محمد بن إبراهيم المؤذن [٢] : عن رجل صالح كان يدفن موتى المدينة وقد طال في تلك الحرفة عمره. قال : قلت له : هل رأيت يا سيدي من أعجوبة في هذا البقيع؟
فقال : لم أر إلا الخير ، إلا أنني حملت ميتا في أيام الحج ولم أجد من يساعدني عليه غير رجل واحد حملته معه ووضعناه في اللحد ، ثم ذهب صاحبي وتركني فذهبت أحمل اللبن لأجل لحده ، فلما جئت به لم أجد الميت في لحده فذهبت وتركت القبر على حاله!!
وكان في الرباط المذكور من الرجال المنقطعين عن هذه الدار الشيخ قاسم التكروري [٣] كان ملازما للسياحة في الجبال والبرية لا يأتي إلا من جمعة إلى جمعة يقتات بالبقول ، ويتتبع مجتمعات الماء التي يربى فيها الحوت كنفج والسدّ وغيرهما ، فيصيد منه شيئا ويقتات منه ، وشيئا يهديه
[١] هو : محمد بن أحمد بن خلف المطري ، صاحب كتاب «التعريف بما آنست الهجرة من معالم دار الهجرة».
[٢] هو : محمد بن إبراهيم بن محمد بن المرتضى الكناني المصري.
[٣] ذكره في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ٣٧٩ (٣٤٦٢) ، نقلا عن ابن فرحون ؛ «الدرر الكامنة» ٣ / ٢٤١ (٦١٢) ، «المغانم المطابة» الورقة ٢٥٣ / أ.