تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ٢٩ - مقدمة المؤلف
فقال : أرى ما هناك يغيظهم ويكبتهم ، ارفعوا القباطي فرفعوها.
وأما ما يتأوله بعض الناس أن الزخرفة مأذون فيها من قوله عليه الصّلاة والسّلام : «لا تقوم الساعة حتى تزخرف المساجد» [١].
فهو غلط بيّن ، لأنه ٦ عدّ هذا من الأشياء التي تدل على فناء الدين وذهاب من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
فقال : «من أشراط الساعة أن تزخرف المساجد كأنها البيع والكنائس» [٢].
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
| ذهب الرجال العاملون بعلمهم | والمنكرون لكل أمر منكر | |
| وبقيت في خلف يزيّن بعضهم | بعضا ليدفع معور عن معور |
وما أشين البدعة في مثل هذه الحضرة التي عرض على النبي ٦ تزيينها ورفع جذوعها.
فقال : «بل عريش كعريش أخي موسى» [٣].
أما ما فعل من ذلك لضرورة أو لعذر ما ، فيكاد أن يغتفر منه شيء ما وجد مبتدعه لبدعته عذرا إن خفف من ذلك قدرا ، وإنما الميزان القويم ، والقسطاس المستقيم ، في اتباع هذا النبي الكريم ، فالناس اليوم في جانب عن سنته واتباع ملته وطريقته ، وما أحق المجاورين له بالأدب معه ، والسؤال عن أحواله وأقواله فيتبعونها ، خصوصا قومة مسجده الشريف ، وخدّامه ، ويعلمون أن من خدمته ٦ تعظيم العلم وأهله ورفع منزلتهم والقيام بحقهم ، والتغافل عن زللهم والشفقة على ضعيفهم ، لأن منزلتهم من النبي ٦ رفيعة ، ونسبتهم إليه عظيمة ، إذ جعلهم الوارثين له ، ولا ميراث لهم إلا ما حملوه من سنته وشريعته.
وفي الحديث أن أبا هريرة رضياللهعنه دخل السوق فقال لأهله :
[١] روى أبو داوود ٣١١ (٤٤٩) قال ٦ : «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد».
[٢] سنن ابن ماجه ١ / ٢٤٤ (٧٤٠) ، ورواية الحديث هنا بالمعنى.
[٣] سنن الدارمي ١ / ٢٣ (٣٨).