تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ١٧٣ - والتعريف بكشف أحوالهم ومناقبهم
عنها عجائب ، وكانت تحدثنا أيضا عن حريق الحرم الشريف. توفيت رحمها الله في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة.
فأما ظهور النار فكان آية عظيمة ، فيها تصديق لما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة.
قال : قال رسول الله ٦ : «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» [١].
وقد شرح كثير من الناس أمرها وأرخوا خبرها ، وبعضهم يزيد على بعض في وصفها ، وسأذكر خلاصة ما قيل في ذلك معتمدا على ما نقله الشيخ الإمام العلامة الحافظ المؤرخ ذو التصانيف المفيدة شهاب الدين أبو محمد عبد الرحمن إسماعيل ـ الشهير بأبي شامة ـ الدمشقي الشافعي ـ رحمة الله عليه ـ في كتابه (ذيل الروضتين في أخبار الدولتين) ، نقله من رسائل وصلت إلى دمشق من المدينة [٢].
فمن ذلك كتاب القاضي شمس الدين سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني [٣] قاضي المدينة يومئذ ، كتبه إلى بعض أصحابه.
قال : لما كان ليلة الأربعاء ثالث شهر جمادى الآخرة أحد شهور سنة أربع وخمسين وستمائة حدث في المدينة في الثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها ، وباتت باقي تلك الليلة تزلزل ، ثم استمرت تزلزل كل يوم وليلة مقدار عشر مرات. وذكر بعضهم في كتابه أربع عشرة مرة.
قال : والله لقد زلزلت مرة ونحن حول الحجرة الشريفة اضطرب لها المنبر ، حتى إنا سمعنا منه صوتا للحديد الذي فيه.
قلت : وكان المنبر على غير هذه الصفة اليوم ، واضطربت قناديل الحرم الشريف.
وزاد القاشاني : ثم في اليوم الثالث وهو يوم الجمعة ، زلزلت الأرض
[١] أخرجه البخاري في الفتن ، باب خروج النار (٧١١٧) ، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة ، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار (٢٩٠٢).
[٢] انظر «ذيل الروضتين» ، ص ١٨٩ ، وما بعدها.
[٣] ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ١ / ٤٢٨ (١٦٦٩).