تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ١٥٣ - والتعريف بكشف أحوالهم ومناقبهم
فاضلا في علم القراءات ، متقنا في التاريخ مجتهدا في العبادة ، ساكنا محبا في السلامة من الناس ولا يكاد يسلم. قرأ عليه من أولاد المجاورين جماعة كشمس الدين الحليمي وشمس الدين الششتري وطبقتهم ، ويقال عنه إنه صحب ابن سبعين ، وكان من أحبابنا ولم أر عليه ما يشينه في دينه. اشترى نخيلات وأوقفها ، آل أمرها إلى الخراب حتى إنه لا يكاد اليوم أحد يعرفها.
توفي ; في سنة ست وأربعين وسبعمائة.
وكان من أكابر المجاورين المتأخرين أصحاب المجاهدة والصبر العظيم على مشقة العبادة والعزلة عن الناس ، شمس الدين [١] الخوجندي [٢] ; ، كان يسكن بالكرا خوفا من مساكنة أهل الرباط ، وكان يعمل أربعينيات يعتزل فيها عن الناس وكلامهم ، ويأكل فيها اليسير من الطعام ولا يقطع الصلاة في المسجد الشريف ، بل يجعل على رأسه ما يغطي به وجهه ويمنعه من الاشتغال بالنظر إلى ما يشغله ، ويأتي إلى الروضة في الصف الأول فيصلي ثم يرجع في الحين إلى بيته ، فلا يزال في صلاة وذكر ودعاء.
أخبرني الفقيه سراج الدين عبد اللطيف ابن العلامة شمس الدين محمد الزرندي ـ وكان جاره وداره تطل على دار الشيخ ـ قال : لا أقوم في ساعة من الليل إلا وأسمعه بين ذكر وقراءة ودعاء واستغفار مع بكاء وعويل ، وكان قد بورك له في الطعام.
أخبرني الشيخ شمس الدين الحليمي ـ ; ـ قال : أعطاني الشيخ صاعا من الدقيق.
وقال : اعمل منه رشيدة وأرسل لي كل ليلة منها بحفنة مطبوخة.
قال : ففعلت واستمر على ذلك مدة ، ثم قال : اعمل لي منه كل ليلة قرصا. ففعلت مدة.
ثم قال : اعمل منه في كل ليلة جمعة قصعة طعام للفقراء ، ففعلت.
وكان كل ليلة جمعة يجتمع عنده الفقراء فيذكرون إلى أن يذهب جزء كبير
[١] هو : محمد بن عبد الله الخجندي. ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ٥٠٤ (٣٨٨٣) ، «الدرر الكامنة» ٤ / ٣١٨ (٨٦٠) ، نقلا عن ابن فرحون ؛ «المغانم المطابة» الورقة ٢٦٢ / أ.
[٢] في الأصول الخطية : «الخوجندي» ، وفي مصادر الترجمة : «الخجندي».