تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ١٣٩ - والتعريف بكشف أحوالهم ومناقبهم
ولما توفي والده جمال الدين ـ ; ـ قام بخدمة أخيه تقي الدين أبي الحرم عبد الرحمن [١] ، وكفل أيضا ابن أخيه عبد العزيز [٢] بن يحيى بن العفيف ، فربّاهما جميعا واشتغلا بالعلم على الشيوخ ، وكان كل شيخ ذي علم يرد المدينة يحسن إليه ويلزمهما العكوف عليه ، وكان عبد العزيز حنبلي المذهب فبرع في عدة علوم وأتقنها وكان يحفظ أصولا متعددة وفنونا كثيرة على أقرانه وأبناء جنسه ، ثم اشتغل بمذهب الشافعي وأقبل على حفظ «المنهاج» للنووي من غير إعراض عن مذهبه ، بل ليجمع بين المذهبين.
ثم ارتحل إلى دمشق رغبة في لقاء الشيوخ والأخذ عنهم فتوفي بها ، وذلك في سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة ، وكان مولده في رجب من سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة.
وأما أخوه فإنه لم يفارقه حتى مات ، وحصل علما وأفاد ودرّس وتعلق بأهداب طريقة والده ورئاسته ، ورزق أولادا نجباء أكبرهم الولد النجيب أبو حامد رباه عمه وانفرد بتربيته وتعليمه ، فلو عاش لحصل ببركته خيرا كثيرا ، وكان مولده في الحرم بمكة المشرفة سادس عشرين ذي العقدة سنة تسع وعشرين وسبعمائة.
وكانت محنة الشيخ عفيف الدين التي أصيب بها في دنياه من جهة الأمير ثابت [٣] بن جمار في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة.
وذلك أن الطواشي مختار البغدادي كان وصيا على أولاد العفيف بن مزروع ، وكان صديقا للشيخ عفيف الدين ملازما له معتقدا فيه ، فلما توفي الطواشي كان الوالي في المدينة يومئذ ثابت بن جماز نيابة عن أخيه ودي ، فطلب العفيف واتهمه أن للطواشي عنده مالا ، فحلف له أن ليس عنده شيء ، فلم يصدقه وأنزله إلى الجّبّ مع شمس الدين بن عبد العزيز لكونه كان من أخصّاء العفيف وأحبابه ، وطلبوا حاشية العفيف ، فمسكوا ريحان
[١] ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ١٤٧ (٢٥١٨) ، «الدرر الكامنة» ٢ / ٣٤٠ (٢٣٤١).
[٢] ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ١٩٠ (٢٦٦٧).
[٣] هو : ثابت بن جماز بن شيحة الحسيني ، ناب في إمرة المدينة عن أخيه ودي ، مات مقتولا في شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة. «التحفة اللطيفة» ١ / ٢٢٦ (٦٨٩).