تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ١٢٩ - والتعريف بكشف أحوالهم ومناقبهم
وكان من الشيوخ المفيدين المقربين إلى الله ورسوله المنقطعين بالمجاورة بين الحرمين الشريفين الشيخ الصالح الورع المربّي عبد الحميد بن علي الموغاني [١] ، كان من أهل الخير والصلاح وإيصال النفع للناس في التربية العليا ، قد تخلى عن الدنيا وأقبل على الآخرة ، ولزم تلقين القرآن طول النهار في المسجد لا تراه إلا في حلقة بين كبار وصغار وكهول مشايخ ، وانتفع عليه من أولاد المدينة خلق كثير ، لكن مع التجويد وتحرير وتربية لهم وضبط وشد حتى إنه ليضرب ذا الشيبة بيده ويأخذ بلحيته وأذنه ، أقام بمكة هو وأخوه في الله الشيخ الصالح المهذب الشيخ يحيى التونسي ، وكانا قد اصطحبا قديما وتواخيا في الله وصحبا الشيوخ وجالا البلاد على قدم التجرد وزيارة الصالحين ولقاء المشايخ.
واتفق لهما في أيام سياحتهما ومدة تنقلهما في البلاد عجائب وغرائب ، ولقيا من الشيوخ السادة الأعلام جماعة كثيرة منهم الشيخ أبو العباس المرسي [٢] فمن بعده من المشايخ الشاذلية وغيرهم ، وفي أيام إقامتهما بمصر ورد عليهما من العجم الشّيخ العلّامة نادرة زمانه الشيخ نجم الدين الأصبهاني [٣] شيخ مكة المشرفة في وقته فصحباه وخدماه واجتمعا به أيضا عند الشيخ أبي العباس المرسي بثغر الاسكندرية وصحباه معهما إلى مكة المشرفة ، وكان مسيرهم على طريق الصعيد.
وحكى لنا صاحبنا الشيخ يحيى بن موسى القسنطيني عن الشيخ يحيى التونسي قال : لما خرجنا مع الشيخ نجم الدين صحبة القافلة في طريق
[١] ذكره في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ١١٢ (٢٣٦٤) ، نقلا عن ابن فرحون ؛ «المغانم المطابة» الورقة ٢٤٦ / أ، وصوب النسبة إلى : «الموقاني» بالقاف.
[٢] هو : أحمد بن عمر بن محمد الأندلسي المرسي الأنصاري ، أبو العباس. ولد سنة ٦١٦ ه ، صحب أبا الحسن الشاذلي وصحبه ابن عطاء الله ، توفي سنة ٦٨٦ ه وقبره بالإسكندرية. ترجمته في : «طبقات الأولياء» ٤١٨ / ١١٨ ، «جامع كرامات الأولياء» ١ / ٥٢٠.
[٣] هو : نجم الدين عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد الأصبهاني ، ولد سنة ٦٤٣ ه ، كان شيخا جليلا ، فاضلا مشهورا ، مقصودا ، منقطعا عن الناس ، توفي سنة ٧٢١ ه. ترجمته في : «العقد الثمين» ٥ / ٢٧١ (١٦٢٦).