تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ١١٥ - والتعريف بكشف أحوالهم ومناقبهم
للاشتغال بالمذهب المالكي حتى رآه الناس أهلا للتدريس والإلقاء والإفادة ، فدرس واشتغل وصحب رجالا من مشايخ الوقت ، وارتحل إلى الإسكندرية وأدرك بها من أهل العلم والصلاح والأئمة جماعة كثيرين فصحبهم ، وأخذ عنهم وكسب من أخلاقهم ومحاسن صفاتهم ما أظهر عليه نورا وبهاء ورئاسة لم تكن لأحد من نظرائه ; ، توفي عام سبعة وأربعين وسبعمائة بالمدينة المشرفة ، ودفن حيال قبر سيدنا إبراهيم ٧.
وكان من أصحابنا الكبار الذين لهم ورع ودين وصلابة ويقين ، الشيخ العارف والمتعبد الورع الزاهد أبو عبد الله محمد بن عرفة التونسي كان من أصحاب الوالد رحمهماالله ، لم أر أحدا مثله في اجتهاده وتحريه في العبادة ومواظبته على الحج والزيارة ، كان من أعيان أهل تونس لم يزل يتكرر إلى المدينة من بلده لتكون وفاته بأحد الحرمين فكان كذلك ، توفي ـ ; ـ بالمدينة في حدود سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ، وله ولد علامة ورع زاهد وعليه اليوم في تونس مدار الفتيا والاشتغال في علوم الكتاب والسنّة.
وكان من كبار الأولياء المتحليين بالعلم والعمل والزهد والورع قاضي طنجة الشيخ أبو الغمر [١] الطنجي ، انفرد في مدة إقامته بالمدينة المنورة النبوية عن أقرانه في العلم والعمل والانقطاع والتوجه العظيم والصوم والمجاهدة حتى لم يبق منه إلا الخيال ، فإن مسكنه برباط دكالة بالحجرة التي هي مسكن الأولياء والأخيار ، فكان يقرئ العلم فيها ، قرأت عليه الفرائض والحساب ، وكان يؤثرني ويدعو لي ، ومالت نفسه إلى الزواج وأحب أن يكون على السنّة في التزوج ، فخطب له أصحابه امرأة حسنة وسيمة ، فلما دخل عليها قبل اجتماعه بها نظر إليها فوجدها موشومة الشفة فأقام ليلته ، ثم خرج ولم يمسها ودفع لها صداقها كاملا وطلقها ، ثمّ لم يتزوج حتى توفي.
أقام بالمدينة مدة طويلة ثم انتقل إلى مكة فأقام بها مثلها على عبادة وكثرة طواف حتى إنه كاد لا يوجد إلا فيه.
[١] هو : السائب بن عبد الله بن السائب الأنصاري الخزرجي الطنجي. ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ١ / ٣٧٨ (١٤١٩) ، «العقد الثمين» ٤ / ٥٠٣ (١٢٤٤).