منهل الغمام في شرح شرايع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٧ - الفصل الأول في العقد
قال" رحمه اللّه": فلا ينبغي ان يستفاد منه صحة تأخير القبول حتى في الحاضر إلى آخره، و ادعى انه خارج عن مجاري الخطاب العرفي فإن ثمّ اجماع على الاستثناء المظنون عدمه و إلَّا كان مقطوعاً بفساده و هو متين لكن ينتج أنه لو عزل الحاضر نفسه له الرجوع فيما لو وكّله الغائب لكونه من باب الأمر و الأذن الذي يصح فيه ذلك و ان التوكيل المزور ينقلب إذناً و أمراً و هم لا يلتزمونه، و من هنا ذهب العلّامة إلى ان الرجوع بعد الرد يحتاج إلى اذن جديد و لا يكفي الأول، فيظهر منه" رحمه اللّه" أنه يرتب آثار عقد الوكالة بالمعنى الأخص على توكيل الغائب و القبول المتأخر فلا يمكن أن نجعله من باب الأذن و الأمر و لعل ذلك هو المعروف، كما قاله غير واحد لكن في تعميم الحكم حتى للحاضر كما قال شيخنا خروج عن مجازي عرفي الخطاب، و زاد في المسالك بأن جواز توكيل الغائب مع تأخر القبول فرع ثبوت التراخي في عقد الوكالة فلا يستدل به عليه لما فيه من التوقف الدوري، لكن في الرياض الجزم بالإجماع عليه و لم نعثر على مخالف فيه، فالقول به مطلقاً لا يخلُ من قوة و خروجه عن مجاري الخطاب العرفي ممنوع و استهجانه لندرة وقوعه و عموم قول الصادق" عليه السلام" في رواية بن وهب و يزيد: (
من وكّلَ رجلًا على إمضاء أمر من الأمور فالوكالة ثابتة أبداً حتى يعلمه بالخروج منها، كما اعلمه بالدخول فيها
) يقضي به و على كل حال فالتوالي الذي هو من شروط العقد لو ثبت بالإجماع كان خروج الوكالة عنه على حد قبول الموصى له بعد موت الموصي و ان طال الزمان و علم الموصي له بل لو مات فلورثته القبول أيضاً و المتيقن منها توكيل غائب لحاضر.
و أما الثاني لمثله فمشكل مع عدم المانع له عن القبول و معه كالغائب، و من شروطها كسائر العقود أن تقع منجّزة، فلو علقت بشرط متوقع كأن حضرت الجامع او شرط متجدد، كان رزقت ولد لم يصح، صرّح بذلك الشيخ و الحلي و العلامة و غيرهم.
و ذكر فخر الدين في شرح الارشاد أن تعلق الوكالة على الشرط لا يصح عند الامامية، و نقل الفاضل على ما حكى عنه في تذكرة الفقهاء و التحرير الإجماع على صحة أن يقول الموكّل أنتَ وكيلي، أن تبيع عبدي يوم الجمعة و على عدم صحّة و لا تبعْ عبدي إلَّا في يوم الجمعة مع كون المقصود واحد و فرق الحاكي بينهما بأن العقود لما كانت متلقاة من الشارع نيطت بهذه الضوابط، و بطلت فيما خرج عنها و ان افادت فائدتها بل و علل عدم الجواز في الجواهر و غيره بمنافاة التعليق ترتيب السبب على المسبب المستفاد مما دلَّ على تسبيب العقود، فإن ظاهر ما دلَّ على سببية العقد ترتب مسببه عليه حال وقوعه فتعليق أثره يشترط من المتعاقدين مخالف لذلك، و فيه:
أولًا: أنه مبني على انحصار أدلة صحة العقود بآية [أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] و ليس كذلك بل الاطلاقات في كل عقد تنهض بإثبات ذلك.
و ثانياً: أن العقد حيث يكون سبباً لوقوع مدلوله يجب الوفاء به على طبق مدلوله، فإن الوفاء بالعقد كالوفاء بالعهد و هو إذا وقع على وجه التعليق فترتب تحقق ما علّق العهد عليه حتى يحصل فيلزم الوفاء به لا يوجب عدم الوفاء بالعهد.
و ثالثاً: عدم اطرائه في مثل وكّلتكَ ان شئت أو أن قبلت، فقال الموكل: قبلت، فإنَّ اثر العقد هنا غير متخلف عنه قولك فتعليق أثره إلى آخره. لا يشمل المثال المذكور، و كذا لو علّق عقد الوكالة على شرط مشكوك محقق في الحال فإن عقدها حينئذٍ لم يكن معلقاً على الشرط بل هو مراعي.