منهل الغمام في شرح شرايع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٦ - الفصل الأول في العقد
فيكون بيعاً ضمناً و كذلك الحال فيما هنا فإن بيع الموكل يقضي بقبول الوكالة ضمناً قبل البيع فلا يحتاج إلى القبول القولي و يدخل في الوكالة بالمعنى الأخص إذ الفعل قرينة على تقدير القبول هذا مع انَّ جريان المعاطاة في غير البيع محل تأمل، و لو قيل به في الإجارة و الهبة فالتعدي يحتاج إلى دليل.
و المحكى عن ثاني المحققين في جامع المقاصد ان البيع ثبت فيه حكم المعاطاة بالإجماع بخلاف غيره ردّاً على الفاضل من عدم القول بالفصل بين البيع و الرهن، و مع التسليم فلا ريب في ان العقد المركب من ايجاب قولي و قبول فعلي لا يدخل في المعاطاة المصطلحة و لم أقف على من جعل ذلك منها فلاحظ ثمّ ما اورده شيخنا على المسالك من تأييده لمذهب الفاضل و جعله من الواضح فيه من الغموض ما لا يخفى لأن المصنف كالعلامة" رحمه اللّه" لما ادرجا ذلك في الوكالة بالمعنى الأخص و كان من احكامها عدم الرجوع بعد عزله نفسه لزم جريان هذا الحكم في المثال المزبور، و هو فعل ما تعلقت به الوكالة الكاشف عن الرضا بها فكأنه أراد بيان ان اطلاقهما يفيد اندراج المثال المزبور و هو فعل ما تعلقت به في الوكالة بالمعنى الأخص و تعقيبه بإطلاق عدم جواز الرجوع يورث ارجحية ما قاله الفاضل، و كونه عند الأصحاب كذلك لا انه استفادة من حكمهم بالصحة التي تشمل الأذن و الوكالة فأراد بيان عدم امكان تنزيل حكم الرجوع في كلام الأصحاب على ما كان فيه الإيجاب و القبول لفظيين فترجيحه به في محله فليلحظ.
و أما ما ذكره بملخصه من جريان المعاطاة فيها و ما شابهها للسيرة فهو مبني على ان جريان المعاطاة في العقود هل هو جمع على الأصل أم لا، و مع الثاني يحتاج إلى الدليل التعبدي في اطراد و ما كانت السيرة المذكورة لتثبت ذلك بنفسها ثمّ ان عقد الوكالة لا ريب في انقسامه للصحيح منها و الفاسد.
و قد ذكروا في المشكوك منها بينهما الحكم بالصحة لأصالتها و لإطلاق ادلتها من قول النبي" ص" لعروة البارقي: (
أشتر لنا شاة
) ان لم يدخل في الفضولية و للنصوص الآتية فيشكل التمسك المذكور مع ما يظهر منهم ان العقود حقيقة في الصحيح مجاز في الفاسد لوجود خواصهما.
و من هنا لو أقرَّ بها و ادعى ارادة الفاسد لم يسمع إجماعاً، و لو كان مشتركاً لقبل تفسيره بالفاسد و الانقسام أعم من الحقيقة فيوجب ذلك عدم جواز التمسك بإطلاقاتها في مقام الشك مع انهم كما سيجيء لا زالوا يتمسكون بها، فيلزم التدبر في الجمع بين كلماتهم في المقام و غيره فتمَّ إلى هنا ان الوكالة من جملة العقود و لا بد في العقد كغيره من الأمور المتدرجة شيئاً فشيئاً التي لها صورة اتصالية في العرف إذا اريد ترتب الحكم المعلّق عليه في الشرع من اعتبار صورته الاتصالية، و حينئذٍ العقد المركّب من الإيجاب و القبول القائم بنفس المتعاقدين بمنزلة كلام واحد مرتبط بعضه ببعض فيقدح الفصل المخل بهيئته الاتصالية، فالأصل يقضي بعدم جواز التراخي بين ركني العقد، و لكن ذكروا هنا انه لو تأخر القبول عن الإيجاب و لو أتى أمد بعيد لم يقدح في الصحة و اسنده الفاضل في تذكرة الفقهاء إلى اصحابنا فيؤذن بالإجماع، فإن المعلوم نصاً و فتوى ان الغائب يوكل الحاضر و القبول متأخر جزماً لقيام السيرة على التوكيل في البيع و الشراء و النكاح و الطلاق و غيرها، و صحة ذلك فالوكالة تفارق باقي العقود بتأخر القبول عن الإيجاب كما هو ظاهر الأصحاب. و جعله شيخنا بجواهره ذلك ليس من الوكالة بالمعنى الأخص بل هو من باب الأمر و الأعلام و الأذن لفقد القاطع على إخراج الوكالة من بينها عن اعتبار التوالي في العقد.