زبدة البيان في أحكام القرآن - المحقق المقدّس الأردبيلي - الصفحة ٥٠٦ - في شرعيته وأقسامه
إلّا ما اقتضته الحكمة ، وما كان مصلحة. ونحوه (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) [١] وقد جاءت الشريطة منصوصة في قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [٢] ومن لم ينس هذه لم ينتصب ، معترضا بعزب كان غنيّا فأفقره النكاح ، وكأنّ هذه الشريطة محذوفة مثل إجابة الدعاء في قوله (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [٣] فلا يرد الشبهة.
ففيها دلالة على مرغوبيّة النكاح مطلقا وأفضليّته وعلى استقلال الآباء والأولياء وإن كان المولّى عليها بالغا تأمل ، وعلى استقلال الموالي أيضا في نكاح المماليك وأيضا فيها دلالة على تملّك المماليك لقوله (إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) إذ الظاهر أنّه راجع إلى الكلّ لا الأحرار خاصّة ، فإنّه خلاف الظاهر ، نعم يمكن أن يقال غناهم وفقرهم باعتبار مواليهم وإذنهم في التصرّف في مالهم ، وهو بعيد فتأمّل.
الثانية : (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) [٤].
في الكشاف وليجتهد في العفّة وظلف النفس ، كأنّ المستعفف طالب من نفسه العفاف ، وحاملها عليه (لا يَجِدُونَ نِكاحاً) أي استطاعة تزوّج ، ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به من المال (حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ) ترجئة للمستعففين ، وتقدمة وعد بالتفضّل عليهم بالغنى ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفا لهم في استعفافهم وربطا على قلوبهم ، وليظهر بذلك أنّ فضله أولى بالأعفّاء وأدنى من الصلحاء ، وفيها دلالة على الصبر وطلب العفّة إذا لم يجد ما ينكح به ، حتّى يعطيه الله تعالى من فضله ما يتمكّن معه من ذلك وإن كان قليلا ، فالصبر والعفّة إنّما يرغّب فيهما بعد عدم وجدان ما يتمكّن به من التزويج أصلا لا من يجد شيئا في الجملة ، فلا ينبغي طلب الصبر
[١] الطلاق : ٣.
[٢] براءة : ٢٨.
[٣] غافر : ٦٠.
[٤] النور : ٣٣.