زبدة البيان في أحكام القرآن - المحقق المقدّس الأردبيلي - الصفحة ٣٤٤ - بحث في الاجتهاد والتقليد
عن التقليد ، فإنّه حقيقة تابع للدّليل ، إذ لا فرق في اتّباع الدليل بين أن يكون المتّبع شخصا أو غيره ولهذا قالوا التقليد هو قبول قول الغير بغير دليل على القبول وأنّ تقليد الأنبياء بل تقليد المجتهدين ليس بتقليد ، بل استدلال كما في المجتهد لتحقيق مسئلة بدليل وإنّما يقال له التقليد بمعنى آخر غير المعنى الّذي هو مذموم وغير مجوّز.
فتقليد المجتهد حسن وجائز ، بل واجب بعد وجود دليل على ذلك كاجتهاد المجتهد ، وهو ظاهر ومبيّن في الأصول ، وهو المراد بالتقليد المفهوم «من أَوَلَوْ كانَ» الآية وأمثاله والّذي لا يجوز ومذموم كما يدلّ عليه قوله تعالى (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [١] وأمثاله أي لا تقل ولا تفعل إلّا ما تعلم جوازه ، فالمراد به التقليد بغير دليل معلوم ، فإنه التقليد ، وبه يجمع بين جواز التقليد وعدم جوازه ، وجواز العمل بالظنّ وعدم جواز العمل والتكليف بالعلم ، أي العمل بالظنّ بمحض الاشتهاء والتقليد ، ويراد بالتكليف بالعلم أعمّ من الظنّ الحاصل من دليل كما للمجتهد ، لا بحمل ما يفيد الظنّ ، وجواز التقليد على الفروع ، والتكليف بالعلم وعدم جواز الظنّ والتقليد على الأصول الكلاميّ كما هو المشهور إذ لا دليل عليه ، ولعدم الفرق ، نعم لو ثبت أنّه لا بدّ في الأصول من العلم اليقيني في جميع مسائله وفي الفروع يكفي مطلق الظنّ ، لتمّ ذلك ، وهو مشكل ، وتخصيص بعض الظنون دون بعض يحتاج إلى تأويل وتصرّف مؤوّل إلى ما قلناه ، على أنا قد ادّعينا حصول العلم بالتقليد للمقلد في الفروع وغيره ، إذا كان عن دليل كتقليد المعصوم كما قالوه للمجتهد بأنّه يقول : هذا ما أفتى به المفتي ، وكلّ ما أفتى به المفتي حقّ وواجب العمل ، والمقدّمة الأولى مفروضة ، والثانية ثابتة بالدّليل ، وبالفرض أيضا فالنتيجة علميّة فتأمل.
وقوله (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [٢] يدلّ على عدم جواز
[١] أسرى : ٣٦.
[٢] الانعام : ١١٦.