زبدة البيان في أحكام القرآن - المحقق المقدّس الأردبيلي - الصفحة ٢٣٣ - أنواع الحج وأفعاله وشيء من أحكامه
وحينئذ لا تدلّ على وجوبهما أصالة وقبل الشروع.
والعجب من صاحب الكشّاف [١] أنّه فسّر أتمّوا الحجّ والعمرة لله بائتوا بهما تامّين كاملين بمناسكهما وشرائطهما لوجه الله من غير توان ولا نقصان ، وسلّم أنّ الأمر بإتمامهما أمر بأدائهما بدليل قراءة من قرأ «وأقيموا» مع أنّها غير ظاهرة في ذلك والقراءة غير ثابتة ، وسلّم أيضا أنّ الأمر للوجوب ، وقال أيضا في آية الوضوء تفسير لفظ واحد بمعنى الوجوب والندب مثل فاغسلوا إلغاز وتعمية ، فلا يجوز وقال : فان قلت : فهل فيه دليل على وجوب العمرة؟ قلت : ما هو إلّا أمر بإتمامهما ولا دليل في ذلك على كونهما واجبين أو تطوّعين فقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوّع جميعا إلّا أن نقول الأمر بإتمامهما أمر بأدائهما ، بدليل قراءة من قرأ «وأقيموا الحجّ والعمرة» والأمر للوجوب في أصله إلّا أن يدلّ دليل على خلاف الوجوب كما دلّ في قوله تعالى «فَاصْطادُوا» «فَانْتَشِرُوا» ونحو ذلك فيقال لك : فقد دلّ الدليل على نفي الوجوب وهو ما روي أنّه قيل : يا رسول الله صلىاللهعليهوآله العمرة واجبة مثل الحجّ؟ قال : لا ، ولكن أن تعتمر خير لك ، وعنه صلىاللهعليهوآله الحجّ جهاد والعمرة تطوّع وقال والدليل الّذي ذكرنا أخرج العمرة من صفة الوجوب فبقي الحجّ وحده فيها ، فهما بمنزلة قولك : صم شهر رمضان وستّة من شوّال فإنّك تأمره بفرض وتطوّع.
وأجاب عن معارضتهما بقول ابن عبّاس إنّ العمرة لقرينة الحجّ بأنّ معناه إنّ القارن يقرن بينهما ، أو أنّهما تقترنان في الذكر فيقال حجّ فلان واعتمر ، وعن المعارضة بقول عمر لرجل قال : إنّي وجدت الحجّ والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعا : «هديت لسنّة نبيّك» بأنّ الرّجل فسّر كونهما مكتوبين بقوله أهللت لأنّه ارتكب تفسير الآية أوّلا بغير الظاهر ، مع كونه خلاف الخبر الّذي نقله.
ومنع حمل اللّفظ على الوجوب والندب ، معا ، وقال إنّه إلغاز وتعمية ، وارتكبه هنا مع إمكان حملها على ما لا ينافي بل هو الظاهر كما مرّ ، فانّ ظاهرها الأمر بالإتمام بعد الشروع وأشار إليه بقوله : «ما هو إلّا أمر بإتمامهما» ولا شكّ
[١] راجع ج ١ ص ٢٦١.