زبدة البيان في أحكام القرآن - المحقق المقدّس الأردبيلي - الصفحة ٤٩٦ - أحكام اليمين
وكذلك قوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ) [١] في الكشاف سمّى الشيء المؤتمن عليه أمانة وعهدا ومنه «أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ» «وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ» [٢] وإنّما تؤدّوا العيون لا المعاني ، ويخان المؤتمن لا الأمانة ، والراعي الحافظ ، يحتمل العموم في كلّ ما اؤتمنوا عليه من جهته تعالى والخلق والخصوص فيما حملوه من أمانات الناس وعهدهم ، وفي مجمع البيان : راعون أي حافظون وافون ، والأمانات ضربان : أمانات الله ، وأمانات العباد ، فأماناته تعالى هي العبادات كالصيام والصّلاة ونحوها ، وأمانات العباد هي مثل الودائع والشهادات وغيرها. وأمّا العهد فعلى ثلاثة أضرب : أوامر الله ، ونذور الإنسان ، والعقود الجارية بين الناس ، فيجب على الإنسان الوفاء بجميع ضروب الأمانات والعهود ، والقيام بما يتولّاه منها.
(الثالثة اليمين)
وفيه آيات :
الاولى : (وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [٣].
ظاهرها نهي عن كثرة الأيمان والحلف على كلّ شيء أي لا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم ولا تكثروا الحلف حتّى في المحقّرات وغير المهمّات الضروريّة ، ويؤيّد النهي عن كثرة الحلف (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ) [٤] و (أَنْ تَبَرُّوا) علّة للنهي بحذف مضاف أي إرادة برّكم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس ، فانّ الحلّاف مجترئ على الله فيكذب ، ولا يصلح أن يكون بارّا ولا متّقيا ولا مصلحا بين الناس ، وقد قيل غير هذا المعنى أيضا وهو أنّه لا تجعلوا الله حاجزا ومانعا لما حلفتم عليه من البرّ والتقوى
[١] المعارج : ٣٣.
[٢] الأنفال : ٢٨.
[٣] البقرة : ٢٢٤.
[٤] القلم : ١١.