زبدة البيان في أحكام القرآن - المحقق المقدّس الأردبيلي - الصفحة ١٦٧ - دعوة الصائم لا ترد
فهذه الآية تدلّ على استحباب كون الداعي مسارعا في الخيرات ، وراغبا وراهبا وخاشعا ليستجاب دعاؤه ، فيمكن أن يقيّد به عموم ما يدلّ على استجابة الدعاء مطلقا ، مثل قوله تعالى (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وهذا أحد الأجوبة لما يقال : كثيرا مّا ندعو ولا نرى الإجابة فتأمّل.
قال في مجمع البيان : روى الحارث بن المغيرة قال قلت لأبي عبد الله عليهالسلام إنّي من أهل بيت قد انقرضوا ، وليس لي ولد ، فقال لي : ادع وأنت ساجد ربّ هب لي من لدنك ذرّيّة طيّبة إنّك سميع الدعاء ربّ لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين» [١] فقد أشرنا فيما قلناه إلى معنى قوله تعالى في التحريص على الدعاء في الآيتين الأخيرتين بقوله (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) و (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) [٢].
(وَلْيُؤْمِنُوا بِي) أمر بتحصيل الإيمان أي التصديق بجميع ما جاء به الأنبياء لمن لا إيمان له ، وبالثبات والاستمرار للمتّصف به أو التصديق بأنّه قادر على الإجابة (لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) راجين في ذلك كلّه الرشد ، يعني إصابة الحقّ والخير.
واعلم أنّه لمّا أمر بعبادات شاقّة وهي الصوم بتكميل العدّة على وجه أمر به والقيام بوظائف التحميد والتكبير والشكر على ما يليق به ، فإنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه ومع شرائطه عسر ومشقّة كما يفهم من الرواية المشهورة ، وهي على ما سمعتها من بعض الفضلاء أنّه روي أنّه قال صلىاللهعليهوآله شيّبتني سورة هود إذ فيها (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) في الكشّاف عن ابن عبّاس : ما نزلت على رسول الله صلىاللهعليهوآله في جميع القرآن آية كانت أشدّ ولا أشقّ عليه من هذه الآية ، ولهذا قال شيّبتني سورة هود والواقعة وأخواتهما ، وروي أنّ أصحابه قالوا له لقد أسرع فيك الشيب ، فقال شيّبتني سورة هود [٣] ، وعن بعض رأيت رسول الله صلىاللهعليهوآله في المنام فقلت له : روي عنك أنّك قلت
[١] راجع مجمع البيان ج ٧ ص ٦١.
[٢] الأعراف : ٥٥ ، غافر : ٥٠. راجع ص ٨٢ و ٨٤ مما سبق.
[٣] ورواه الثعلبي بإسناده عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة كما في المجمع ج ٥ ص ١٤٠ وهكذا في الدر المنثور ج ٣ ص ٣١٩.