زبدة البيان في أحكام القرآن - المحقق المقدّس الأردبيلي - الصفحة ٢٢٢ - العاكف والبادي في سكنى الحرم سواء
سواء وهو ظاهر ، ويؤيّده ما نقل أنّ المشركين كانوا يمنعون المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام ، والطواف بالبيت ، ويدّعون أنّهم أربابه وولاته ، فنزلت ففي الآية دلالة على التسوية ، وكون المسجد الحرام معبدا ، وعلى تحريم المنع عن العبادات وعن المسجد الحرام كما في قوله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ) [١].
(وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ) أي في المسجد الحرام وكأنّ المراد الحرم (بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ) في الكشّاف الإلحاد العدول عن القصد ، هما حالان مترادفان أي كلّ منهما حال عن فاعل يرد ، ومفعوله متروك ليتناول كلّ متناول ، كأنّه قال ومن يرد فيه مرادا مّا عادلا فيه عن القصد ظالما ، يعني أنّ الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهمّ به ويقصده ، وقيل الإلحاد في الحرم منع الناس عن عمارته ، وقيل : الاحتكار وقيل قول الرجل في المبايعة لا والله وبلى والله. وفيه إجمال حيث ما ظهر كون الباء فيهما بأيّ معنى؟ والاحتياج إلى ضمّ الظلم إلى الإلحاد ، فإنه على ما فهم من قوله يعني إلخ أنّ المقصود من قوله (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ) فعل الذنب مطلقا فيكون مطلق الذنب فيه كبيرة وموعودا به العقاب ، والباء يحتمل أن تكون للملابسة أي حال كونه ملابسا بإلحاد ، وملابسا بظلم أيضا فإنّ العدول عن القصد يحتمل أن يكون بوجه معقول مشروع غير عدوان في بادي الرأي ، وبحسب أصل المعنى ، فقيّد بالظلم ، ونصّ به لزيادة قبحه وظهوره ليترتّب عليه (نُذِقْهُ) فتأمل.
وقال في مجمع البيان : الباء في بإلحاد زائدة تقديره : ومن يرد فيه إلحادا والباء في بظلم للتعدية ، ونقل أبياتا لكون الباء زائدة [٢] وهو محلّ التأمل إذ بعد صحّة كون الباء زائدة لم يظهر كونها للتعدية في بظلم ، بل جعلها للملابسة والحال كما قلناه أولى ، أي من يرد عدولا عن القصد حال كونه متلبّسا بالظلم ، ثمّ قال فيه : الإلحاد العدول عن القصد لغة واختلف في معناه ههنا ، فقيل : هو الشرك وعبادة غير الله تعالى عن قتادة ، فكأنّه قال : ومن يرد فيه ميلا عن الحقّ بأن يعبد غير
[١] البقرة : ١١٤.
[٢] راجع مجمع البيان ج ٧ ص ٧٩.