تجلّي القرآن في نهج البلاغة - مصباح اليزدي، محمد تقي - الصفحة ٥٣
في وادٍ لا تبدو للعيان فيه آثار للماء والحياة ، ويغادر مكّة لأداء الرسالة الإلهية ، وبعد مدة حيث عاد وقد كبر ولده وأصبح شاباً مؤدّباً حسن المنظر ، يبهر النظر إلى جماله بصرَ كل إنسان ، ويزيل سيماء وجهه المتفتح الأحزان والهموم عن ذاكرة أبيه ، ويهوّن عليه عذاب الهجرة والشدائد ، وفي ذروة التعلق بهذا الولد الذي ظهرت عليه أهلية النبوة أُوحي إلى إبراهيم في المنام : أن تذبح ابنك في سبيل الله .
حقاً يجدر بنا أن نقيس إيماننا واعتقادنا بالله والقرآن والأحكام الإلهية ومراتب تسليمنا أمام الله ، مع إيمان إبراهيم ( عليه السلام ) ودرجة تسليمه ؛ لندرك ـ أكثر ـ المسافة بيننا وبين ما أراده القرآن والله سبحانه وتعالى منّا ، وننبري لتعزيز الإيمان والعمل على أساس المعتقد الديني أكثر فأكثر .
لو أنّ جبرئيل كلّفنا أنا وأنت في عالم اليقظة وليس في المنام بذبح ولدنا بأيدينا فلا طاقة لنا بسماع ذلك ، ناهيك عن تنفيذ الحكم والأمر الإلهي بذبح الولد ، لكن إبراهيم ( عليه السلام ) بادر لتنفيذ أمر الله دون توانٍ ، ودون أن يفسح المجال أمام أي شكل للتطرّق إلى نفسه في صحة ما أُوحي إليه بأنّه ما المصلحة في قتل ولدٍ بريء ؟ . فطرح القضية على ولده : ( فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السّعْيَ قَالَ يَا بُنَيّ إِنّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ ) [١] فعندما شبّ الولد وكان يسعى إلى جانب والده بين الصفا والمروة ، قال له أبوه : يا بني إنّني رأيت في المنام بأن يجب أن أذبحك قرباناً لله فما هو رأيك ؟ بهذه الدرجة إيمان إبراهيم وتسليمه ، فاجلس وشاهد درجة تسليم الابن وإيمانه ، وانظر طاعته أمام أمر الله وأبيه ؛ لتستحوذ عليك الحيرة لإخلاص وإيمان الذين يعجز القلم والبيان عن وصفهم ، وإياك أن تفقد الحذر في أن تسمّي نفسك مسلماً .
فأجاب إسماعيل ، هذا الولد الذي تعلّم من أبيه درس التسليم أمام أمر الله ، بجواب هو أبعد مدىً من التعبير على الموافقة ، حاثاً أباه على تنفيذ الأمر الإلهي لئلا يبقى أمر
[١] الصافات : ١٠٢ .