تجلّي القرآن في نهج البلاغة - مصباح اليزدي، محمد تقي - الصفحة ٣٩ - الحكمة من بعض الابتلاءات

يعودون إلى أنفسهم ، ويتضرّعوا أمام الله سبحانه وتعالى ، وقد صرّحت الآيتان ٧٥ و ٧٦ من سورة المؤمنون بهذا المضمون أيضاً : ( وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِن ضُرّ لّلَجّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرّعُونَ ) .

فلو أنّنا عفونا عنهم وأزحنا عنهم ما نزل بهم بلاء لأصرّوا بقلوب عمياء على طغيانهم .

بناءً على هذا ؛ إنّ الفلسفة من بعض عذابات الأمم وشدائدها هي يقظتها وأوبتها إلى طريق الهداية ، وإن كانت هذه الشدائد والمحن والابتلاءات ربّما لا توقظ بعض الأمم ، وتبقى متماديةً في ضلالها وانحرافها ، وفي مثل هذه الحالة تتم الحجة عليها ، ولينتظروا نزول الكوارث التي تضع حداً لحياتهم .

في الآيات ٤٢ ـ ٤٤ من سورة الأنعام يخاطب القرآن نبي الإسلام ( صلّى الله عليه وآله ) قائلاً : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى‌ أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضّرّاءِ لَعَلّهُمْ يَتَضَرّعُونَ * فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرّعُوا وَلكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمّا نَسُوا مَا ذُكّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيْ‌ءٍ حَتّى‌ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُبْلِسُونَ ) . فحري بنا أن نعلم أنّ هذه سُنة إلهية كانت قد جرت على الأمم السابقة ، وأنّ أُمّة النبي الخاتم ليست مستثناة منها .

على أية حال ، إنّ وجود بعض الابتلاءات والمصاعب والمحن أسباب تذكير وهداية بالنسبة لذوي البصيرة والحريصين على سعادتهم ومصيرهم ، ورغم ذلك وكما يقول القرآن إنّ هنالك أناساً يغطون في غفلة لا يوقظهم منها أي إنذار أو تنبيه .

إذن ، الابتلاءات والشدائد التي تحصل للمجتمعات والأمم لغرض تنبيه الناس وإيقاظهم لا تختص بأمم الأنبياء السابقين ، بل أنّ هذه القضية من ألطاف الله وتأتي ؛ لإيقاظ الأمم وتوجيهها نحو الله ، والمهم هو معرفة الفلسفة من مثل هذه الوقائع واستلهام العبر من الماضي والتوبة والأوبة إلى الله .

ومع شديد الأسف قلّما يلتفت أحد في مجتمعنا إلى هذه القضية ، ولهذا يتشبث بعض المسؤولين إمّا ؛ عن غفلة وإهمال ، أو لضعف في الإيمان والمعتقد بغير الله ؛ للخلاص من