تجلّي القرآن في نهج البلاغة - مصباح اليزدي، محمد تقي - الصفحة ٥٤

الله مطروحاً على الأرض ، ودون أن يسأل أباه عن فلسفة ذبحه ، وبلا أن يدفع والده إلى التريّث والتأمل في أداء تكليفه ، قال إسماعيل ( عليه السلام ) لأبيه : ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) .

إنّ العظماء يتخذون القرار ويبادرون لأداء واجباتهم لاسيما الواجبات الجسمية بعد الاستعانة بالله تبارك وتعالى والتوكل عليه ، فهم يطلبون العون والمساعدة منه في جميع الأعمال ويقولون بكل أدب : إنّني أنجز هذا الواجب إن شاء الله وإذا مدّني بعونه . وهنا أيضاً لا يعوّل إسماعيل ( عليه السلام ) على قوته بل يقول لأبيه : ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) . فالله هو الذي يعينني وأصبر إن شاء الله ؛ لتتوفّق في أداء واجبك الإلهي .

ويصوّر الله تبارك وتعالى سيماء إبراهيم ( عليه السلام ) وحالة تسليمه أمام ربّه عن لسان إبراهيم ( عليه السلام ) بما يلي :( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [١] أي : إنّني وجّهت وجهي لله خالق السموات والأرض بإيمان خالص ولن أؤمن أبداً بعقيدة المشركين الجاهلية .

يجب أن يكون إيماننا بالله والقرآن كإيمان واعتقاد إبراهيم ( عليه السلام ) ، وفي هذه الحالة يتحقق الشرط الثاني الأساسي للانتفاع بالقرآن الكريم أي هداية المجتمع على أساس توجيهات القرآن .

بناءً على هذا ؛ إنّ وجود القرآن دون إيمان راسخ واعتقاد قلبي لا يسعد الإنسان والمجتمع أبداً ، ومن الواضح بالطبع أنّ ما يضفي العينية على مهمة هداية القرآن ـ بالإضافة إلى الإيمان والاعتقاد ـ هو تحقّق الشرط الثالث أي العمل وفقاً لتعاليم القرآن ، وتجسيد أحكامه في صلب الحياة الفردية والاجتماعية .



[١] الأنعام : ٧٩ .