تجلّي القرآن في نهج البلاغة - مصباح اليزدي، محمد تقي - الصفحة ٥٠
الإنسان التي تنبثق عن معتقداته وقناعاته منشأً لأعماله وأخلاقه ، وإنّ أعمال الإنسان وأخلاقه تتجسد يوم القيامة ، وسيبتلي كل إنسان بمردودات ونتائج أعماله .
الأمر الذي حريّ التذكير به هنا هو : أنّ الإنسان مادام لم يرحل الدنيا فبإمكانه التعويض عن ما فاته من خلال المحاسبة وإعادة النظر في أفكاره وعقائده وأعماله في كل آن ، وتغيير مصيره نحو السعادة والفلاح دنيوياً وأخروياً ، فما أكثر الذين عادوا إلى أنفسهم في غضون لحظة واحدة وبقرار واحدٍ وتوبةٍ حقيقية ، بدّلوا ماضيهم الأسود إلى مستقبل مشرق وسعيد ، وقطعوا طريق مِئة عام في ليلة واحدة ، ولكن ينبغي الانتباه إلى أنّ فرصة وإمكانية إعادة النظرة وتدارك الماضي إنّما هي سانحة في هذا العالم فقط ، وتنتفي إمكانية تداركه بعد الموت والرحيل من هذا العالم الفاني .
إذا ما نظّم الإنسان أعماله وأخلاقه في هذا العالم على أساس القرآن والأحكام والمعارف الإلهية وكان ـ كما يعبّر علي ( عليه السلام ) ـ من حَرَثة القرآن فهو سيتنعم في الآخرة بثمارها وحصيلتها وسيكون سعيداً ، ففرصة العمل والتدارك موجودة في الدنيا فقط ، وعالم الآخرة ليس بمكان تدارك : ( اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل ) [١] فاليوم يوم زراعة وعمل وليس هنالك حساب ، وغداً يوم الجني والمحاسبة ولا وجود لفرصة العمل والتعويض .
يقول علي ( عليه السلام ) الخبير بالدنيا والآخرة والعلاقة بينهما ، وداعي الخير للمسلمين والحريص عليهم : ( فكونوا من حَرَثة القرآن ) فإن كنتم تنشدون السعادة فاجعلوا زراعتكم وعملكم في مزرعة القرآن المباركة ، كونوا من الذين يعمرون دنياهم وآخرتهم بتعاليم هذا الكتاب السماوي ، اجعلوا القرآن مقتداكم كي لا تخسروا .
سر النجاح ودور القرآن
يبدو أنّ هنالك ثلاثة شروط أساسية لتحقيق النجاح في كل خطة وسياسة لاسيما على
[١] بحار الأنوار : ٣٢ ، ٣٥٤ .