تجلّي القرآن في نهج البلاغة - مصباح اليزدي، محمد تقي - الصفحة ٣٧ - الحكمة من بعض الابتلاءات

واقتداراً ، ثمّ يقول : ( وَلاَ تَتَوَلّوْا مُجْرِمِينَ ) ، أي إيّاكم أن تعرضوا عن الله دون توجه واستغفار إليه وانتم مجرمون مذنبون ، ولا تحرموا أنفسكم من الرحمة الإلهية .

بالرغم من أنّ جميع الأسباب الطبيعية لنزول المطر وكل نظام العلة والمعلول الحاكم على الطبيعة ، بيد القدرة الإلهية وتعمل بإرادته جلّ وعلا , لكن الله سبحانه وتعالى ودون أن يضعها في نظر الاعتبار ، يقول استغفروا لذنوبكم وعودوا إلى الله ، إذ ذاك نوعز للسماء أن تُنزل مطرها عليكم .

ربّ قائل يقول ليس مراد الله سبحانه وتعالى أن ينزل المطر دون تحقق الأسباب الطبيعية ، بل المراد هو أنّنا نُنزل المطر عليكم عبر توفير الأسباب الطبيعية ، والرد هو أنّ هذه الرؤية لا تنسجم مع الرؤية التوحيدية ؛ لأنّه وكما تقدم القول ليس الأمر أنّ الله قد اعجز نفسه عن خلق الظواهر دون أسبابها وعللها الطبيعية بخلقه لنظام العلّة والمعلول ، فهو تعالى يقول بصدد قدرته على خلق الأشياء : ( إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) [١] فإذا ما تعلقت إرادته جلّ وعلا بشيء فستتحقق إرادة الله ويتحقق ذلك الشيء .

 

الحكمة من بعض الابتلاءات

فضلاً عن الأمور المتقدمة ، قد تستدعي حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمانيته أن يمنّ على عباده بلطفه ، وينزل عليهم نعمته من خلال طرق غير طبيعية ، ولأجل ذلك فقد يضع جلّ وعلا أسباباً وعللاً أخرى غير الأسباب والعلل المادية ، ويدعو الناس لأن يجعلوا من أنفسهم مستحقين لنزول الرحمة والنعم الإلهية بتوسلهم بتلك الأسباب ، وهذا بدوره مقتضى اللطف والحكمة الإلهية أيضاً .

إنّ نظام الخلق يقوم على أساس الحكمة ، والهدف من خلق الإنسان هو الهداية والتكامل ، وإنّ الهداية والتكامل إنّما يحصلان ، في ظل المعرفة والتدبر بآيات الله ،



[١] يس : ٨٢ .