تجلّي القرآن في نهج البلاغة - مصباح اليزدي، محمد تقي - الصفحة ٣٦ - القرآن دواء لأعظم الأدواء

خلق أية ظاهرة بطريق غير طبيعي ، بل إنّ سُنّة الله قضت بأن تُنجز الأمور عبر مجراها الطبيعي ، بيد أنّ إنجاز الأمور لا يقتصر على المجرى الطبيعي ، وإنّما يقوم الله سبحان وفي ظل ظروف خاصة بإيجاد أمور خارج سياقها الطبيعي ، ويمكن القول إنّ هذه سُنّة إلهية أيضاً ، فمن الممكن أن يحصل الشفاء والبرء من المرض عن الطريق الطبيعي ومعاينة الطبيب ، ومن الممكن أن يحصل في ظل ظروف خاصة عبر العلل غير المادية ، من قبيل دعاء الأئمة المعصومين ، أو دعاء غيرهم من أولياء الله ، مثلما يمكن أن ينتصر جنود جبهة التوحيد بفعل الإمداد الغيبي والأسباب غير الطبيعية ، في حين أنّهم بحكم المنهزمين أمام العدو من حيث المصاديق المادية والشروط الطبيعية ، وهذا أمر يُعد من الأسباب والعلل الإلهية أيضاً .

لقد ورد في القرآن الكريم أمثلة من الحوادث التي وقعت خارج إطار الأسباب العادية والطبيعية ، فمثلاً لو قدّر لهطول الأمطار أن يجري عبر علله وأسبابه الطبيعية ، فلابد من أن تتبخر مياه البحار والمحيطات نتيجةً لأشعة الشمس والحرارة ، ثمّ يتحول إلى غيوم ، ونتيجةً للاختلاف في درجة الحرارة بين البحر واليابسة تهب الرياح ؛ وبهبوبها تسير الغيوم من على البحار نحو بقاع الأرض ؛ كي تُنزل قطع الماء الموجودة في الغيوم وفي ظل ظروف معيّنة ، على شكل قطرات مطر ، أو حبيبات من الثلج أو البرد على الأرض ، فتوقّع هطول الأمطار بغير أسبابه وعلله الطبيعية يعتبر توقّعاً عبثاً وغير معقول من وجهة النظر المادية ، لكنّ نوحاً ( عليه السلام ) ودون أن يضع في الحسبان الأسباب الطبيعية لنزول المطر ، قال لقومه استغفروا ربّكم وتوبوا إليه ؛ كي تُنزل السماء عليكم مطرها : ( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ثُمّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السّماءَ عَلَيْكُم مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوّةً إِلَى‌ قُوّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلّوْا مُجْرِمِينَ ) [١] أيّها القوم استغفروا ربّكم وتوبوا إليه وعودوا إلى الله ؛ ليُنزل مطراً غزيراً من السماء ، وبنزول الرحمة الإلهية وهطول المطر تزدادون قوةً


ــ


[١] هود : ٥٢ .