تجلّي القرآن في نهج البلاغة - مصباح اليزدي، محمد تقي - الصفحة ٤٤ - القرآن نور حقيقي
القرآن نور حقيقي
النور أحد مظاهر تجلّي الله عزّ وجل ، فالله يشبّه نفسه بالنور إذ يقول : ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) [١] وهذا نور الله تبارك وتعالى قد تجلّى فخُلقت السموات والأرض والمخلوقات ، وبفضل عناية الله يقوم عالم الوجود ، وان فيض الوجود مافتئ ينهمر على الموجودات من مشكاة الجود ، وبالتالي تواصل المخلوقات والموجودات حياتها .
قد يعبّر عن كلام الله بالنور أيضاً ، ففي ظل النور يبصر الإنسان الطريق وينجو من التيه والضلال ، وبما أنّ أسوء الضلال والانحراف وأكثره خسراناً هو الضلال والانحراف في مسيرة الحياة وتعرّض سعادة الإنسان للخطر ، فإنّ النور الحقيقي هو الذي ينقذ البشر والمجتمع الإنساني من الضلال والانحراف ، ويبيّن أمامهم الطريق الصحيح للكمال الإنساني ؛ ليميزوا طريق السعادة والكمال عن طرق السقوط والضلالة .
على هذا الأساس عبّر الله جلّ وعلا عن القرآن بالنور إذ يقول : ( قَدْ جَاءَكُم مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ) [٢] أي أنّ نوراً وكتاباً منيراً قد جاءكم من ربّكم ؛ كي تميّزوا من خلال انتفاعكم به طريق السعادة عن طريق الشقاء ، ونظراً لأنّ موضوع البحث هو القرآن في منظار نهج البلاغة ، فإنّنا نغض الطرف هنا عن تفسير وتوضيح الآيات الواردة في هذا المجال ، ونتطرّق لتوضيح كلام الإمام علي ( عليه السلام ) بهذا الشأن .
في الخطبة ١٨٩ وبعد وصفه للإسلام والنبي ( صلّى الله عليه وآله ) يقول علي ( عليه السلام ) في وصف القرآن الكريم : ( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ ، وَسِرَاجاً لا يَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَبَحْراً لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ ) .
إنّ علياً ( عليه السلام ) بوصفه للقرآن في هذه الخطبة يحاول من خلال ثلاث تشبيهات رائعة ، أنّ يعرّف قلوب المسلمين عظمة القرآن ، ويستقطب انتباههم أكثر فأكثر إلى هذه الثروة الإلهية الضخمة التي هي في متناول أيديهم .
[١] النور : ٣٥ .
[٢] المائدة : ١٥ .