تجلّي القرآن في نهج البلاغة - مصباح اليزدي، محمد تقي - الصفحة ٤٣ - التكريم الظاهري والحقيقي للقرآن الكريم

من الطبيعي أنّ مراعاة الأمور الآنفة الذكر بوصفها احتراماً لهذا الكتاب السماوي قيمة واجبة ، مهما التزمنا بها فإنّنا لم نؤدِ حق احترام هذا الكتاب السماوي كما يستحق ، ولم نؤدِ الشكر لله سبحانه وتعالى على النعمة الكبرى وهي نعمة الهداية ، لكن أسمى أنواع الاحترام والشكر لأية نعمة ، هو معرفة حقيقتها وتوظيفها في الاتجاه الذي خلقها الله من أجله ، وإذا ما أردنا أن ننظر إلى القرآن بهذه النظرة ، ونقوم باحترامه وتعظيمه ، يتضح لنا أنّ القرآن الكريم كما هو أهله ، وما ذُكر على أنّه صور من احترام المسلمين للقرآن الكريم رغم أنّها ضرورية ولازمة ، بيد أنّ هدف الله سبحانه وتعالى لا يتحقق بأداء هذه الأمور ، ولا يُنجز تكليف المسلمين إزاء هذا الكتاب السماوي ، فمعرفة ظواهر القرآن وتلاوة آيات الله والتعظيم الظاهري لهذه الوصفة الشافية ، هي مقدمة للعمل بمضامينها وتعاليمها ، ولا يؤدى الحق الواقعي للقرآن دون اتخاذه محوراً في الحياة السياسية والاجتماعية للمسلمين .

إنّ تقبيل وصفة الطبيب واحترامها ، وقراءتها بألحان جميلة ، بلا فهم لتعليمات الطبيب وإرشاداته والعمل بها ، لا تداوي للمريض داءً ، فكل عاقل على قناعة بأنّ تحسّن الصحة منوط بالعمل بتعليمات الطبيب المحنّك ، فالاحترام الحقيقي لوصفة الطبيب هو في العمل بها ، وليس القيام باحترامات ظاهرية للطبيب ووصفته .

ويمكن القول أيضاً بشأن القرآن بالرغم من أداء الاحترامات الظاهرية للقرآن الكريم ، من الأمور المحبّبة ومن واجبات المسلمين فرداً فرداً ، لكنّها أقل واجب على المسلمين إزاء هذا الكتاب ، والمسلمون مكلّفون بأداء الشكر والتعظيم الواقعي لهذه النعمة الإلهية الكبرى ، وذلك بفهمهم للقرآن الكريم والعمل بأحكامه الحياتية ، وأن لا يحرموا أنفسهم من هذا التراث المعطاء ؛ كي يتسنّى لهم بالنتيجة تنوير دنياهم المظلمة بهذا النور الإلهي .