تجلّي القرآن في نهج البلاغة - مصباح اليزدي، محمد تقي - الصفحة ٤٦

يكمّلان بعضهما البعض في طريق هداية الموحدين ، فبالتمسك بإحداهما والتخلّي عن الأخرى لا يتحقق الهدف من نزول القرآن المتمثل بهداية البشر . فالأئمة المعصومون ( عليهم السلام ) مصابيح يستمدون النور من هذا المصدر الإلهي ، وينيرون طريق الحياة للناس الذين ينشدون السعادة ؛ إذ إنّ علوم القرآن وحقيقته عندهم ، فتلك الذوات المقدسة هم الذين يستطيعون إرجاع المتشابهات إلى المحكمات ، وتمييز الطريق عن المنحدر وإرشاد بني الإنسان نحو طريق السعادة والكمال ، ويتعيّن على الناس أن يأخذوا معارف القرآن عنهم فقط ويقوموا بتطبيقها .

إنّ حكمة الله تقتضي وسنّته تنص على أن يتعرّف الناس على معارف القرآن عن طريق أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وبتطبيقهم لها يعملون على ضمان سعادتهم الدنيوية والأخروية ، ولغرض تحقّق هذا الهدف فقد أبقى الله سبحانه وتعالى على طريق الانتهال من معارف القرآن مفتوحاً أمام التوّاقين للسعادة ؛ وذلك بوضعه لمنصب الإمامة ، رغم أنّ المعاندين وعبيد الدنيا هبّوا على مدى التاريخ ؛ ليحرموا الناس من نور الهداية الإلهية المتمثل بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لكن القرآن يصرّح أنّ هؤلاء لن يفلحوا بعملهم هذا : ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَن يُتِمّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) [١] .

لهذا السبب يشبّه علي ( عليه السلام ) القرآن بالسراج لا يخبو توقّده ولا ينطفئ نوره .

إنّ معارف القرآن من العمق والسعة بحيث أنّ العارفين بعلوم أهل البيت ( عليهم السلام ) كلما تدبروا به ينالون في كل خطوة معرفةً ومعلومةً جديدة ، وبما أنّ هذا الكتاب السماوي نسخة من العلم الإلهي ، فإنّ التوّاقين للحقيقة مهما شربوا من ماء حقيقته الصافي فإنّهم ليسوا لا يرتوون فحسب بل يزدادون عطشاً ، من هنا نرى أنّ أولياء الله والعارفين بحقيقة القرآن ، يسعون بتلاوتهم لآيات الله أثناء الصلاة والتدبّر فيها ؛ إلى تلطيف أرواحهم ، ويضعون أنفسهم أكثر فأكثر في مصاف الإلهامات الإلهية ونزول المعارف



[١] الصف : ٨ .