الارتداد في الشريعة الإسلامية - سماك، غازى عبد الحسن - الصفحة ١٤٣ - المبحث الأول الاستغلال والتوظيف السياسي
وقد وفرت حركات الردة المناخ الملائم للإقدام على تصفية الخصوم والمناوئين لسقيفة بني ساعدة، الذين رفضوا ما فرضته تلك السقيفة على الواقع الإسلامي من خلال تنصيب أبي بكر وتتويجه كخليفة لرسول الله (ص) من بعده.
وعلى هذا الأساس نرى بأن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قد ميَّز بين الطائفتين من خلال التفريق في الدوافع ومن ثمَّ التفريق في كيفية المواجهة، فقد نصح عمر بن الخطاب أبا بكر بأن يُعرض عن فكرة المواجهة المسلحة مع مانعي الزكاة، إلا أنَّه لم يفلح في ذلك؛ لأنَّ الهمَّ الأكبر للخليفة الأول كان يتمثل في استتباب خلافته ووئد أي تمرَّد يضر بإمرة المسلمين.
جاء في كتاب الردة للواقدي على لسان أبي بكر وهو يخاطب عمر بن الخطاب:" وأمَّا مَنِ ارتدَّتْ مِنْ هَؤُلاءِ الْعَرَبِ، فَمِنْهُمْ مَنْ لا يُصَلِّي وَقَدْ كَفَرَ بِالصَّلاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي وَقَدْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، وَلا وَاللَّهِ يَا أَبَا حَفْصٍ مَا أُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ لأَنَّهُمَا مَقْرُونَتَانِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَلَوْ أَغْمَضْتَ وَتَجَافَيْتَ عَنْ زَكَاةِ هَؤُلاءِ الْعَرَبِ فِي عَامِكَ هَذَا وَرَفَقْتَ بِهِمْ، لَرَجَوْتُ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ (ص) كَانَ يَقُولُ:
«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَإِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ»" [١].
وقد أشار إلى هذا التفريق أيضا شيخ الطائفة في مبسوطه، حيث قال:" أهل الردة بعد رسول الله (ص) ضربان:
منهم قوم كفروا بعد إسلامهم، مثل مسيلمة، وطليحة، والعنسي وأصحابهم، وكانوا مرتدين بالخروج من الملة بلا خلاف.
[١] الواقدي، محمد بن عمر، الردة، ص ٥١.