المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٢٧ - باب القصاص
وأيد هذا القياس قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس وذلك ينفى مقابلة النفوس بنفس واحدة ولكنا تركنا هذا القياس لما روى أن سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا فقضى عمر رضى الله عنه بالقصاص عليهم وقال لو تمالا عليه أهل صنعاء لقتلتهم به ولان شرع القصاص لحكمة الحياة وذلك بطريق الزجر كما قررنا ومعلوم أن القتل بغير حق في العادة لا يكون الا بالتغالب والاجتماع لان الواحد يقاوم الواحد فلولم نوجب القصاص على الجماعة بقتل الواحد لادى إلى سد باب القصاص وابطال الحكمة التى وقعت الاشارة إليها بالنص يوضحه أنه لا مقصود في القتل سوى التشفي والانتقام وذلك حاصل لكل قاتل بكماله كانه ليس معه غيره وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله الواحد إذا قتل جماعة فانه يقتل بهم جميعا علي سبيل الكفاءة وقال الشافعي رضى الله عنه ان قتلهم على التعاقب يقتل بأولهم ويقضي بالديات لمن بعد الاول في تركته وان قتلهم معا يقرع بينهم ويقضي بالقود لمن خرجت قرعته وبالدية للباقين واستدل بقوله تعالي وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس فقد جعل الله تعالى النفس بمقابلة النفس قصاصا فلا يجوز أن يجعل النفس بمقابلة النفوس قصاصا بالرأى ولانا قد بينا أنه لا مساواة بينهما الا أنا أوجبنا القصاص على العشرة بقتل الواحد لرد علية القتل بغير حق وهذا لا يوجد في القتل قصاصا لان ذلك يكون بقوة السلطان فلا تقع الحاجة فيه إلى التعاون والتغالب ولان في ايجاب القصاص هناك تحقق معنى الزجر وذلك لا يوجد هنا فانه بعد ما قتل الواحد إذا علم أنه وان قتل جميع أعدائه لا يلزمه القصاص أخذ يتجاسر على قتل الاعداء وإذا علم أنه يستوفى الديات من تركته يتحرز من ذلك لا بقاء العناء لورثته فكان معنيا الزجر فيما قلنا وحقيقة المعنى في الفرقأن العشرة إذا قتلوا واحدا فكل واحد منهم قتل عشره فوجب عليه القصاص بقدر ما أتلف الا أنه لا يمكن استيفاء ذلك منه الا باسقاط ما بقي من حرمة نفسه فيسقط ذلك لضرورة الحاجة الي استيفاء القصاص كما إذا غصب ساحة وبنى عليها سقط حرمة بنائه لوجوب رد الساحة وكذلك عندي في الساحة فأما هاهنا فكل واحد من المقتولين قد استحق علي القاتل نفسا كاملة وليس في نفسه وفاء بالنفوس فلا يمكن أن يقتل بهم جميعا ولكن يترجح أولهم بالسبق فان حقه ثبت في محل فارغ وإذا قتلهم معا رجح بالقرعة كما هو مذهبي في نظائره والدليل علي أن كل واحد من القاتلين يستوفى الجزاآت في الخطأ يجب على كل واحد منهم جزء من الدية وانه لو كان بعض الفاعلين مخطئا لم يجب القصاص على واحد منهم بخلاف